فإذا حصل ما يشتهيه وجد اللذة، فإذا امتنع أن يكون المنتهى مطلقاً مقصوداً، امتنع أن تكون اللذة مطلقاً غاية مقصوده، لما بيناه من أن وجود ذلك يمنع وجوده، لما فيه من الفساد، ولكن لا بد في فعله من حب، ولا بد له من لذة، فالشهوة واللذة سببان في فعله، ذلك سبب فاعلي، وهذا سبب غائي، بهما كان الإنسان من وجه فاعلاً لفعله، ومن وجه غاية لفعله، كما تقدم بيانه.
لكن كما بينا أن هذا السبب فيه لم يحصل به مستقلاً، بل بالرب الذي خلقه وأعانه، فكذلك هذه اللذة لم يحصل الفعل لأجلها فقط، بل للغاية التي هي الرب الذي هو إلهه.
وكما أنه بدون الرب يمتنع الفعل، وبدون إلهه لا يصلح الفعل، بل لا يكون إلا فساد، فإن ما في العبد من القوة والإرادة محدث من جهة الله، كذلك كون لذته العاجلة غاية إنما كان لغاية أخرى من جهة الله، وذلك/ أنه كما كان المحدث عن عدم فلا بد له من محدث، فهذه الغاية منقطعة بتعقبها العدم والزوال، فلا بد له من غاية أخرى باقية دائمة إذ كل ما يمنع أن تكون الحوادث مستغنية عن الفاعل يمنع أن تكون المنقطعة مقصودة بالذات، فجعله نفسه الغاية مثل جعله نفسه السبب، فكما أنه لا يجوز أن يكون معينه وممده لحصول قوته وقصده وعمله هو نفسه، بل من توكل على (نفسه)(١) خذل، كذلك لا يجوز أن يكون ما يطلبه ويقصده ويحبه ويعمله هو نفسه، بل من عبد نفسه واتبع هواه ضلّ وخسر، (وما أكثر)(٢) ما يتخذ العبد إلهه هواه، فيكون ما يهواه إلهه، وهو يهوی نفسه كثيراً، فيعبد نفسه.
[٦٩ب]
(١) في الأصل بياض مقدار كلمة، ولعلها: نفسه.
(٢) في الأصل: وما أكثر وما أكثر.