وفي كلام أبي حامد(١) وأمثاله من ذلك أصناف، والفارابي(٢).
ومن تدبر كلام الفلاسفة كابن سينا(٣) ونحوه، وجد ما يثبتونه من اللذات العقلية إنما هو لذة العلم بالموجود من حيث هو موجود، لا اختصاص للرب بذلك، اللهم إلا من حيث يولد وجوده، وغايته تلذذ بأمور كلية حاصلة في ذهن العالم لا وجود لها في الخارج، لا سيما إذا قالوا: إن النفس الناطقة لا تدرك المغيبات التي يسمونها الجزئيات، وإنما تدرك الكليات، لا سيما بعد المفارقة.
والكليات لا تكون كليات إلا في الذهن، فلا تكون لذة النفس عندهم إلا بأمور مقيدة فيها، متصلة بها، لا بعلم شيء موجود في الخارج عنها، وهذا في غاية البعد/ عن الحق، كما قد بسطناه في غير هذا الموضع(٤)، وإنما هو إثبات النعيم بأمور مقدرة في الذهن، ولهذا كان الاتحادية وهم من خلاصة جهم(٥)، لا ينكرون اللذة بالمشاهدة، كما ذكر ذلك ابن العربي الطائي(٦) في بعض كلامه أن المشاهدة ما التذَّ بها عارف قط(٧).
[٦٠ب]
(١) يقصد الغزالي المشهور المتوفى سنة (٥٠٥هـ).
(٢) أبو نصر محمد بن محمد بن طرخان الفارابي، الفيلسوف المشهور، والملقب بالمعلم الثاني، في مقابل أرسطو الملقب بالمعلم الأول، تركي الأصل والمولد، له ترجمة في سير أعلام النبلاء (٤١٦/١٥)، وعيون الأنباء لابن أبي أصيبعة (ص٦٠٣)، وموسوعة الفلسفة لعبد الرحمن بدوي (٢/ ٩٣).
(٣) تقدمت ترجمته (١٦١/٢).
(٤) تقدمت الإشارة إلى هذه المواضع (١١٤/٢) حاشية (١).
(٥) تقدم تعريفه ضمن فرقة الجهمية (١/ ٧٠).
(٦) تقدم تعريفه (١٠٤/١).
(٧) ذكره ابن عربي في الفتوحات المكية (١/ ٦١٠) من قول أبي العباس السیاري، ثم شرح کلامه.