وإن كان الناس قد يؤمرون بما يؤمرون به من الطاعة والعبادة لأمور أخرى تكون هي مطلوبهم ومقصودهم، بل قد ينازع الناس في أنه: هل يمكن أن يكون الله سبحانه هو المقصود المراد بالقصد الأول، بحيث يراد لذاته، فيحب لذاته؟ فذهب طوائف كثيرون من أصناف المتفقهة والمتكلمة وغيرهم إلى امتناع ذلك، وأنكروا أن يكون الله محبوباً لذاته، وهذا هو المشهور من قول المعتزلة(١) ومن اتبعهم من المتكلمة والجهمية(٢) والفقهاء وغيرهم، ولم يجعلوا المقصود بالقصد الأول - وهو الغاية التي يطلبها العباد - إلا ما يحصل من تنعمهم بالأكل والشرب واللباس ونحو ذلك، مما وُعدوا به في الجنة، وجعلوا جميع ما أمروا به من العبادات والطاعات تكاليف إنما تُفعل لتحصيل هذه الغاية المطلوبة.
وهؤلاء ينكرون أن يتنعم في الدنيا بعبادته وفي الآخرة بالنظر إليه، بل قد ينكرون أن يتنعم بذكره ورحمته، اللهم إلا من جهة لذة جنس العلم الذي لا يمكن أن ينكرها من وجدها.
وقد وافقتهم على إنكار حقيقة المحبة لله وتوابعها، طوائف من أصحاب الأئمة الأربعة.
[٥٩ب]
وأول من أنكر حقيقة المحبة لله الجعد بن درهم(٣)/ الذي ضحى به خالد بن عبد الله القسري(٤) بواسط في خطبة يوم
(١) تقدم تعريفهم (٦٩/١).
(٢) تقدم تعريفهم (١/٧٠).
(٣) قال الذهبي: الجعد بن درهم، مؤدب مروان الحمار، وهو أول من ابتدع بأن الله ما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولا كلم موسى، وأن ذلك لا يجوز على الله. ترجمته في: السير (٤٣٣/٥)، ولسان الميزان (١٠٥/٢).
(٤) أبو الهيثم خالد بن عبد الله بن يزيد بن أسد البَجَلي القَسْري، الأمير المشهور زمن بني أمية، توفي سنة (١٢٦هـ)، له ترجمة في تهذيب التهذيب=