بعث إلى الخلق وجب على الخلق كلهم طاعته واتباعه، والعبادة بما شرعه بعد المبعث دون العبادة التي لم يشرعها هو، ولو أراد أحد أن يفعل بغار حراء ما كانوا يفعلونه في الجاهلية من المجاورة فيه، وترك الجمعة والجماعة، لنهي عن ذلك.
وقد كانوا في الجاهلية(١)، كما قال أبو طالب في قصيدته الطويلة:
وراقٍ لِيرَقَى في حِرَاء وَنَازلٍ(٢).
والمقصود هنا بيان ما دلّ عليه(٣) الكتاب والسنة والإجماع من أن إخلاص الدين لله هو أصل كل علم وهدى.
وفي الحديث حكاية بلغتنا لا أعلم إسنادها هو ثابت أم لا؟ لكن المعنى المقصود منها صحيح، وهو أن أبا حامد الغزالي قال: لما بلغني هذا الخبر أخلصت أربعين صباحاً، فلم أجد شيئاً، فذكرت ذلك لبعض شيوخ أهل المعرفة، فقال لي: يا بني، إنك لم تخلص لله، وإنما أخلصت للحكمة(٤).
فإن هذا المعنى حق، وهو أن الواجب أن يكون الله هو المقصود والمراد/ بالقصد الأول، ثم الحكمة وغير ذلك يتبع ذلك، لا أن يكون غيره هو المقصود بالقصد الأول، ويجعل قصد الله وسيلة إلى ذلك.
[٥٩أ]
(١) هكذا في الأصل، ولعل هنا سقط تقديره: ((وقد كانوا في الجاهلية يفعلون ذلك)). والله أعلم.
(٢) هو عجز بيت من قصيدة طويلة قالها أبو طالب في النبي ﷺ، وصدر البيت:
وثورٍ ومَنْ أرسَى ثَبِيراً مكانه
انظر القصيدة بطولها في السيرة النبوية لابن هشام (٢٧٢/١ - ٢٨٠).
(٣) في الأصل: على.
(٤) ذكر ابن تيمية هذه القصة عن الغزالي في درء تعارض العقل والنقل (٦٦/٦) والنبوات (٤٠٩/١).