الحب وكمال الذلّ، وهذا شأن المراد لذاته، المقصود لذاته، وكلّ ما سواه فمفتقر إلى هذا المراد المحبوب المعبود لذاته، فلا يكون هو مراداً محبوباً لذاته، فإن محبته مستلزمة محبة محبوبه ومعبوده الذي هو أکمل منه، بل هو معبود له.
والفساد أن يكون كل من الشيئين محبوباً/ والتابع لغيره محبوب لذاته، والمتبوع محبوب لغيره.
وهذا الأصل هو أصل أصول الشرائع والملك، فإن الرسل جميعهم إنما بعثوا لأن يعبدوا الله وحده لا شريك له، وكما أنه مبرهن بالمعقول والقياس والنظر، فهو أيضاً معروف بالوجد والإحساس والذوق، فإن العبد يحس من قلبه فقراً ذاتياً إلى ذكره وعبادته غير فقره إليه من جهة إعطائه سؤله، وجلب المنافع له ودفع المضار عنه، فإن الفقر إليه من هذا الوجه هو أظهر في الابتداء، ولكن الإنسان يجد نفسه إلى أي موجود توجه بقلبه وذكره، لا يجد الطمأنينة ولا السكينة حتى يذكر الله ويُوجّه قلبه إليه، فإنه يجد الطمأنينة والسكينة فلا يبقى عنده منازعة إلى شيء آخر.
فكما أن السائل الداعي الراغب في قضاء حاجته إذا توجّه إلى الله بصدق اطمأنَّ طمأنينة من وصل إلى من نال منه المطالب والحاجات، فكذلك المريد المحب (١) لما يطمئن إليه إذا توجه إلى الله بصدق اطمأن طمأنينة من حصَّل بغيته ووجد محبوبه ومألوهه وطلبتَه، وهذا الأصل إنما يستقر (٢) أتباع ملة إبراهيم، أهل الحنيفية، فأما غيرهم
[٥٤أ]
(١) في الأصل بياض مقدار كلمة، لعلها ((القاصد)) أو نحو ذلك، والله أعلم.
(٢) هكذا في الأصل، ولعل الصواب: ((لأهل الملة)).