الأول لزم الدور القبلي (١)، وإن كان غيراً آخر لزم التسلسل في العلل، وكلاهما ممتنع.
وكل ما دلّ على أن كل محدث فله محدِث، وكل ممكن [١٣] فله واجب، وأن الممكنات المحدثات لا بد لها من قديم واجب بنفسه قطعاً للدور القبلي والتسلسل في العلل، فإنه يدلّ على أن كل مريد فلا بد له من مراد، وكل متحرك بالإرادة فلا بد له من غاية، وأنه لا بد لجميع الإرادات والحركات الاختيارية من مراد لنفسه ينقطع به الدور القبلي في العلل، فإذن كل متحرك بالإرادة من المخلوقات، بل كل مريد، فلا بد له من مراد لنفسه هي الغاية.
والمراد لنفسه أكمل من المراد لغيره، فكل مريد من المخلوقات مفتقر إلى مراد لنفسه يكون أكمل منه، فلو كان شيء محبوباً مراداً لذاته، لكان المحب له يحب محبوبه، لأن محبوب المحبوب محبوب، ومراد المراد مراد بطريق اللزوم.
فإن استلزام الحب الأول للأول كاستلزام الحب الثاني للثاني، فكما أن المحب لا تتم مصلحته إلا بمحبوبه، فالمحبوب كذلك لا تتم مصلحته إلا بمحبوبه، ولا تتم مصلحة محبوبه إلا بحصول مصلحته، لأنه إذا فسد حال المحبوب فسد حال محبه، فإذا قُدر أن من المخلوقات ما يحب لنفسه، وذلك مستلزم لمحبته محبوبه الذي هو أكمل منه، كان الأكمل محبوباً مراداً بطريق اللزوم والقصد الثاني، وكان الأنقص محبوباً مراداً بطريق الأصالة والقصد الأول.
ومعلوم أن هذا فساد ينافي الصلاح، فإن الحب والإرادة
[٥٣أ]
(١) تقدم تعريفه (١٣٥/٢).