والغائية غير مفتقرة إلى الفاعل من حيث كونها غاية ومطلوبة، بل هي في نفسها غاية ومطلوبة، سواء قُدر وجود الفاعل أو عدمه، لكن لا ينال المقصود بها إلا بالفاعل، فحصول المقصود بها كحصول الفعل من الفاعل.
فالفعل سبب ووسيلة إلى المقصود بها، ومعلوم أن المقاصد أشرف من الوسائل، ولهذا قدم سبحانه قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيْنُ﴾، لأن العبادة هي المقصود المطلوب، والاستعانة سبب ووسيلة إليها.
وكونه سبحانه إلهاً معبوداً للخلق أكمل من جهة كونه رباً معيناً لهم من جهتهم ومن جهته.
أما من جهتهم فإن من لم يعبده منهم، فلم يؤمن به، ولم يطع رسله يكون شقياً معذباً، وإن كان مربوباً مخلوقاً، وإنما سعادتهم إذا عبدوه فآمنوا به وأطاعوا رسله.
وأما من جهته، فإنه يكون إلهاً يفتقرون إلى ذاته، ويكون ربًّا مفتقرون إلى ما منه، وكون الشيء مقصوداً لنفسه أشرف من كونه مقصوداً لغيره.
وبالجملة فمن المستقر في فطر الناس أنَّ ما يطلب لغيره فذلك الغير أشرف منه، وأن المقاصد أشرف من الوسائل.
ولهذا يقال: إن العالي لا يفعل لأجل السافل، وإذا كان كذلك، فكل ما يُقدر أنه هو المقصود المعبود لذاته دون الله تعالى، فإنه محتاج إلى ما يكون مقصوداً معبوداً لذاته، فإن الحي لا بد له من إرادة، ولا بد لكل إرادة من مراد لذاته، فإن المراد إما مراد لنفسه، وإما مراد لغيره، وما أريد لغيره، فذلك الغير إما أن يكون مراداً لنفسه أو لغيره، فإن كان ذلك الغير هو
[٥٢ب]