ثم افتقار المحدّث إلى محدثٍ أظهر وأبين وأبده للعقل من كون الممكن المستوي الطرفين مفتقر إلى المرجح، وهذا مبسوط في غير هذا الموضع(١).
وإنما المقصود هنا أن كل ما دلَّ في بعض الموجودات أنه مخلوق لله، فهو يدلّ على ذلك في أفعال العباد، فيعلم بذلك كثرة الأدلة وقوتها على هذا المطلوب.
ولهذا قال من قال من أئمة السلف، كحماد بن زيد(٢) وغيره: من قال أفعال العباد لم يخلقها [الله]، بمنزلة من قال السماء والأرض لم يخلقها الله.
والمقصود هنا أنه إذا كان قصده وفعله مخلوقاً لله مربوباً له، لا يوجد إلا بمشيئته وقدرته وربوبيته وإعانته، إذ يمتنع أن يكون حادثاً بنفسه، أو حادثاً من غير محدث، فلذلك أيضاً يجب أن يكون لله، مُبتَغى به وجه الله، لا يفعل إلا لمحبته ورضاه وإلهيته وعبادته، فإنه لا يجوز أن يكون ليس فيه مقصود مراد، إذ القصد والعمل لغير مقصود مراد ممتنع، كما أن الحادث من غير محدث ممتنع.
ولا يجوز أن يكون هو المقصود المراد المحبوب بعمله، كما لا يجوز أن يكون هو الخالق له، لأنه يفضي إلى التسلسل والدور(٣)، فكما قلنا: لو كان قصده حادثاً بقصد آخر، فإن كان
(١) انظر منهاج السنة (٢٨٨/١).
(٢) حماد بن زيد بن درهم أبو إسماعيل الأزدي، أحد أئمة المسلمين الكبار، أثنى عليه أعلام الأمة كعبد الرحمن بن مهدي وابن معين وأحمد بن حنبل وسفيان الثوري وغيرهم، توفي سنة (١٧٩ هـ)، له ترجمة في: الجرح والتعديل (١٧٦/١ - ١٨٣)، وحلية الأولياء (٢٥٧/٦ - ٢٦٧)، وسير أعلام النبلاء (٤٥٦/٧ - ٤٦٦).
(٣) تقدم شرحهما (١٣٥/٢).