هو أبلغ وأكمل، فإن افتقار المحدَث إلى المحدث أظهر من افتقار الممكن إلى المرجح، ولكن هو وطائفة من أهل الكلام قبله عكسوا الأمر في إثبات الصانع، فجعلوا طريقة الاستدلال بالمحدَث على المحدِث مبنية على طريقة افتقار الممكن إلى المرجح، وهذا غلط جداً، فإنه إذا قيل: إن تلك معلومة بالضرورة، فالضرورة هنا أرجح بكثير، والمحدث شيء موجود، كان بعد أن لم يكن حدوثه، أمر خارجي موجود في الخارج.
وأما الممكن فإنما يقدر مستوي الطرفين في النفس، إذ هو في الخارج إما واجب بنفسه، وإما ممتنع بنفسه، ولهذا منع طائفة من الفلاسفة(١) أن يقال في الموجودات: إنها ممكنة بنفسها.
وخالفوا ابن سينا(٢) في ذلك، كما ذكره ابن رشد الحفيد(٣).
فالعلم بثبوت/ الممكن، فيه من الصعوبة ما ليس في العلم بحدوث المحدث، فإن حدوث المحدثات مشهود بالحس، وهو صفة خارجية ثابتة ليست مقدرة في العقل.
[٤٨ ب]
غلط المتكلمين الاستدلال على وجود الرب بناء على طريقة افتقار الممكن اإلى مرجع.
(١) تقدم تعريفهم (٨٩/١).
(٢) أبو علي الحسين بن عبد الله بن علي ابن سينا، توفي سنة (٤٢٨ هـ)، له ترجمة مطولة في عيون الأنباء لابن أبي أصيبعة (ص٤٣٧) ودراسة موسّعة عنه وعن مؤلفاته وما كُتب عنه في كتاب (من أعلام الفكر العلمي في الحضارة الإسلامية) للدكتور أمين سيدو (ص ٢٧٧ - ٣٦٧).
(٣) أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد الأندلسي القرطبي الفيلسوف المشهور، توفي (٥٢٠هـ)، له ترجمة في عيون الأنباء لابن أبي أصيبعة (ص٥٣٠) ودراسة مطولة عنه وعن مؤلفاته وما كُتب عنه في كتاب (من أعلام الفكر العلمي في الحضارة الإسلامية) للدكتور أمين سيدو (٤٢٩ - ٥٢٢).