في القرآن، وجمع سرّ القرآن في المفصل، وجمع سرّ المفصل في الفاتحة(١).
ففرق بالنسبة إلى خالقه بين ربوبيته له وخلقه - وهو السبب - وبين مقصوده ومراده - وهو الغاية -.
وفرق بالنسبة إليه بين فعله أنه لا يكون إلا بحبه، وبين فعله أنه لا يصلح إلا لإلهه، فلا يجوز إلا بمعونة الله، ولا يصلح إلا لوجه الله.
[١٤أ]
ويتبين ذلك فيه بالنسبة إلى نفسه، كما يتبين بالنسبة إلى/ خالقه، وذلك أن فعله وقصده يمتنع أن يكون وجد من غير سبب، ويمتنع أن يكون وجد بقصدٍ منه، وفعل آخر، لأنه يفضي إلى التسلسل والدور(٢)، فلا بد أن يكون وجوده بسبب من غيره، وهو داخل في جملته التي تناولها قوله: ﴿أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥].
وكل ما دلّ على أن الحوادث الممكنات مخلوقة لله، فهو يدلّ على أفعال العباد، إذ هي جزء من الحوادث الممكنات، فاستدلال بعضهم على ذلك لكونها ممكنة فيفتقر إلى مرجح، كما سلكه أبو عبد الله الرازي(٣)، ليس هو أبلغ من الاستدلال على ذلك بكون ذلك محدثاً بعد أن لم يكن، فيفتقر إلى محدث، بل
افتقار المحدث إلى المحدث أظهر من افتقار الممكن إلى مرجح.
(١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٤٥٠) برقم (٢٣٧١) من قول الحسن البصري.
(٢) تقدم تعريفه (٢/ ١٣٥).
(٣) محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري الرازي، صاحب التفسير الكبير، والمطالب العالية وغيرهما، من أئمة المذهب الأشعري، توفي سنة (٦٠٦هـ)، له ترجمة في: طبقات الشافعية الكبرى (٨/ ٨١)، وشذرات الذهب (٣/ ٢١)، ولسان الميزان (٤/ ٤٢٦).