ومن أحب حقه على غيره، وأنه يعطيه حق، فمن المعلوم أنه لولا أنه يحب نفسه التي لها الحق وإلا لما تصور أن يكون له حق، ولهذا الإنسان إنما يطلب حقوقه التي يحبها ويرضاها، ولولا تعلق المحبة والرضى بتلك الأمور لما عقل كونها حقوقاً.
ومن هذا الباب أنه يفرح بتوبة عبده التائب أعظم من فرح الفاقد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة، إذا وجدها بعد اليأس، فهذا المثال فيه أنه فقد ما يحتاج إليه وتقوم به نفسه من المنفعة التي لا بد له منها وهي الطعام والشراب، وما يدفع به المضرة، وهو الركوب للخلاص١ من تلك المفازة.
ومعلوم أنه لولا محبته لنفسه لما أحب ما يجلب إليها من المنفعة، ويدفع عنها من المضرة، فإذا كان فرح الرب بتوبة التائب أعظم من ذلك، وهو سبحانه يحب التوابين ويحب المتطهرين، فمعلوم أن الفرح العظيم بحصول الشيء المحبوب فرع على المحبة العظيمة له، ومحبة المحبوب فرع على محبة النفس التي كان لها ذلك محبوباً.
١ في الأصل: للإخلاص.