ليبين الله لعباده مبدأ خلقهم، وأنهم خلقوا من هذه المضغة، ولهذا تكلم الفقهاء فيما تلقيه المرأة، بما يثبت به حكم النفاس، وتنقضي به العدة والاستبراء أو تصير به المرأة أم ولد، فإنه إذا كان مضغة مخلّقة فلا ريب فيه، وأما إذا كان مضغة غير مخلقة أو علقة ففيه نزاع، فلما قال: خلق من علق، دلَّ بذلك على أن تخليق البدن بتصوير الأعضاء كان من نفس العلقة، وهذا أخصّ من خلقه من نطفة، فإن ذلك تقدير جملته وتصويرها قبل التفصيل.
وأيضاً فالعلق أول الاستحالات التي يخلق منها، فإنه قبل ذلك كان نطفة، والنطفة لا تتعين أن تكون مبدأ الإنسان بلا ريب.
ولهذا يتنازع الفقهاء أنها لو ألقت نطفة، لم يثبت به شيء من أحكام الولد، لا نفاس، ولا عدة، ولا استبراء، ولا استيلاد، ولا غير ذلك، بخلاف العلقة، والعلقة تنازعوا فيها، لأنه يجوز أن تكون مبدأ آدمي، ويجوز أن لا تكون، ولهذا قال من قال منهم: يرجع في ذلك إلى شهادة القوابل وغيرهن.
وأيضاً فالعلق دم، والدم فيه الحرارة والرطوبة، وهما سبب الحياة ولهذا كان الدم مادة حياة الإنسان، وفيه الأرواح البدنية التي تكون فيها القوى، وقد دلَّ هذا الكلام على أن الإنسان، الذي هو جوهر جسم قائم بنفسه أنه صورة مصورة، مخلوق من هذه المادة، التي هي جسم أيضاً، وهي العلق فبان بهذا أن الحادث بعد أن لم يكن جوهر قائم بنفسه، ليس كما يطلقه بعض المتكلمين والمتفلسفة، أن الحادث إنما هو صفات في الجواهر، فإن الفرق بين الصور والأجسام، وبين الصفات والأعراض، فرق ظاهر كما قد بيناه في غير هذا الموضع.
اختلاف الفقهاء في المرأة إذا ألقت النطفة.
[٣٣أ]