مستلزمة لهذا ولهذا، فإن الحي المطلق لا يكون ( ... )(١)، ولهذا يجمع الله بين حقيقة هاتين النعمتين والآيتين اللتين بهما يكمل الموجود فيما ينزله على رسله، وما خاطبت به الرسل لقومها، بل أول ما يعرف به آياته أسباب الحياة والهداية، فأول ما أنزل الله على نبيه محمد ﷺ:﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥] فذكر الخلق والهداية عموماً وخصوصاً، وذكر خلق الإنسان من علق، إذ هو في هذا الطور يصير حياً، كما قال النبي ﷺ: (يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوماً [نطفة] ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه الملك، فيؤمر بأربع كلمات، فيقال: اكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح)(٢).
فهو بعد المضغة ينفخ فيه الروح، فلو قيل: خلقه من مضغة، لكان يظن أن الروح خلقت من مضغة، بخلاف ما إذا قيل: خلق من علق، فإنه يعلم أن المخلوق منها هو المضغة، التي يُنفخ فيها الروح.
وأيضاً فالعلق واسطة بين النطفة وبين المضغة، وأيضاً فمن يصير علقة يخلق مميز رأسه ويداه ورجلاه، كما قال الله تعالى في الآية الأخرى:﴿ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [الحج: ٥]قال من فسّر ذلك من السلف: المخلَّقة ما تمَّ خلقها، وغير المخلَّقة ما أسقطها الرحم(٣).
(١) في الأصل بياض مقدار كلمة.
(٢) تقدم تخريجه (١٢٥/١).
(٣) فسّر الآية بهذا المعنى قتادة ومجاهد، انظر تفسير ابن جرير لسورة الحج، آية (٥) - ط: دار الكتب العلمية (١١٠/٩).