يبين أنهم دخلوا في الإسلام الذي إذا عملوا فيه عملاً صالحاً لم (ينقضوه)(١)، ومع ذلك لم يدخل حقيقة/ الإيمان إلى قلوبهم، فكثير من الناس تقرّ بالحق ابتداءً، وإن لم يكن في قلبه إذ ذاك تكذيب به، أو بغض له، بل لا يكون في قلبه حقيقة التصديق والمحبة، وإن كان فيه بعض ذلك، مع إقراره بلسانه وظاهره(٢).
حقيقة إيمان الأعراب.
[٣٠ب]
وفرق بين أن يقوم بقلبه نقيض ما أظهره، وبين أن لا يحقق بقلبه ما أظهره، فإن الأول قام بقلبه كفر وجودي، وهذا لم يقم بقلبه كفر وجودي، لكن لم يقم بقلبه حقيقة الإيمان، وإن كان قد دخل فيهم منادي الإيمان، إذ تكلموا به، وكان له أثر في قلوبهم، فهذا - والله أعلم - حال الموصوفين في سورة البقرة والمنافقين، فإنه قال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]، فأخبر أنهم في الحقيقة لم يؤمنوا، وأن في قلوبهم مرضًاً، والمرض يكون ريباً وشكاً.
وأخبر أنه إذا قيل لهم: ﴿ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: ١٣]، وأخبر أنهم يوافقون في الظاهر المؤمنين، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا: إنا معكم، إنما نحن مستهزئون، ثم أخبر (بما يقتضي)(٣) ردتهم عن هدى حصل لهم، فهذا - والله أعلم - يقتضي أنهم في أول الأمر حصل لهم أمر ناقص، لا يستوجبون به حقيقة الإيمان، كما ذكر عن الأعراب، ولكن لو استمروا على اتباع الحق/ قوي إيمانهم، فرجعوا عن ذلك الهدى، ونافقوا المؤمنين.
[٣١أ]
(١) هكذا في الأصل، ولعل الصواب: (يُنقصوه).
(٢) انظر كلام ابن تيمية عن هذه الآية موسعاً في كتاب الإيمان - ضمن مجموع الفتاوى - (٧/ ٢٤٣) وكلام ابن القيم في بدائع الفوائد (٤/ ١٧).
(٣) في الأصل: أنهم بما يقتضي.