[٣٠أ]
أحدهما: أنه قد كان منهم ما هو إيمان، وأنهم رجعوا عنه، ومعلوم أنهم/ ليسوا كالمرتدين الظاهرين الردة، فإن ذلك قسم آخر، ذكره الله في القرآن في غير موضع، وله حكم آخر في الكتاب والسنة، بل هذه حال المنافقين المتناقضين، الذين يقولون قول المؤمنين، ويقولون ما ينقض قول المؤمنين، ولو كانوا صادقين مجمعين القول الأول، لم يأتوا بما يناقضه.
وليسوا(١) أيضاً تاركين لكل ما يتركه المؤمنون ويفعلونه، بل يوافقونهم على شيء، ويوافقون شياطينهم على شيء، وهم وإن كانوا في الظاهر مع المؤمنين، ففي(٢) الباطن مع شياطينهم، وهذا هو النفاق، وقد فُسِّر بذلك إيمانهم وكفرهم، أي آمنوا ظاهراً ثم كفروا باطناً.
فالقرآن يدلّ على أنهم أولاً حصل لهم هدى، ثم رجعوا عنه، مع كونهم أظهروا خلاف ما يبطنون، وهذه حال طوائف من العباد، يقرون بالحق من بعض الوجوه، ولم يقروا به إقراراً تاماً، فهم كاذبون في دعواهم الإيمان به، ثم إنهم يتناقضون فيأتون بما ينافي الإيمان، وقد قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [الحجرات: ١٤]، فهذا
(١) ذكر ابن تيمية أن الآية السابقة تقتضي شيئين، أحدهما: أن المنافقين كان منهم إيمان، ثم رجعوا عنه.
ولم يذكر الشيء الثاني، ويظهر - والله أعلم - أن الشيء الثاني: هو ما ذكره هنا، وهو أن المنافقين يوافقون المؤمنين في شيء، ويوافقون شياطينهم في شيء، والله أعلم.
(٢) في الأصل: وفي.