الأمرين، إذا ترك هذا، وأخذ هذا، لكن سياق الكلام يدل على الأول، فإنه قال: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ أي طلب إيقادها وأوقدها، فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم، إلى آخر الآية/ فمثَّلَهم بالذي جعل لنفسه ناراً يُنتفع بضوئها، فلما أضاءت ذهب النور، وبقي في ظلمة لا يبصر، وأخبر أنهم صم بكم عمي لا يرجعون إلى الحال التي كانوا عليها من الهدى والنور.
[٢٩ب]
وأما المثل الثاني: وهو حال المطر الذي فيه ظلمات، ورعد يسمع، وبرق يرى، وأنهم يخافون من صوت الصواعق، ومن لمعان البرق (فيمتنعون فتحصل الآفة في سمعهم وبصرهم)(١)، وأنهم مع ذلك إذا أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا، فهذه حال من يكون إدراكه الذي هو سمعه وبصره وعمله الذي هو حركته، فيه خلل واضطراب وآفة ونقص وفساد، ولكن لم يعدم ذلك بالكلية.
المثل الثاني للمنافقين بالظلمات والرعد.
وهذه نسبة حال من فيه إيمان ونفاق، وفي قلبه مرض، والأولى حال من ارتد عن الهدى بالكلية.
وقد قال أيضاً في سورة المنافقين: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ١ - ٣]، فأخبر أنهم آمنوا ثم كفروا كما ذكر نحو ذلك في سورة البقرة، وهذا يقتضي شيئين:
(١) هكذا في الأصل، والمقصود: فيمتنعون من النظر فيغلقون أعينهم، ويمتنعون من السمع فيضعون أصابعهم في آذانهم، خشية أن تصيبهم آفة.