ومنهم من قال: إلا لآمرهم بالعبادة. وهذا قريب إذا (تمم)(١).
وقالت القدرية(٢): ما أراد منهم كلهم إلا العبادة، لم يرد
من أوجه الرد على مذهب المعتزلة في الحكمة والتعليل.
= وقومه وعذابهم ثم قال: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾، أي: في قصة موسى آية أيضاً... ثم ذكر أنه بنى السماء بأيد، وفرش الأرض، وخلق من كل شيء زوجين لعلكم تذكرون، فلما بيّن الآيات الدالة على ما يجب من الإيمان به وعبادته، أمر بذلك فقال: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ * وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الآية، ثم بيَّن أن هؤلاء المكذبين من جنس من قبلهم ليتأسى الرسول والمؤمنون، ويصبروا على ما ينالهم من أذى الكفار، فقال: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾، فهذا كله يتضمن أمر الإنس والجن بعبادته وطاعته وطاعة رسله واستحقاق من يفعل [المعاصي] العقوبةَ في الدنيا والآخرة، فإذا قال بعد ذلك: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ﴾ كان هذا مناسباً لما تقدم، مؤتلفاً معه، أي: هؤلاء الذين أمرتهم إنما خلقتهم لعبادتي ما أريد منهم غير ذلك لا رزقاً ولا طعاماً.
فإذا قيل: ((لم يرد بذلك إلا المؤمنين)). كان هذا مناقضاً لما تقدم في السورة.
(ج) وصار هذا كالعذر لمن لا يعبده ممن ذمه الله ووبخه، وغايته يقول: أنت لم تخلقني لعبادتك وطاعتك، ولو خلقتني لها لكنت عابداً، وإنما خلقت هؤلاء فقط لعبادتك، وأنا خلقتني لأكفر بك، وأشرك بك، وأكذب رسلك، وأعبد الشيطان وأطيعه، وقد فعلت ما خلقتني له، كما فعل أولئك المؤمنون ما خلقتهم له، فلا ذنب لي ولا أستحق العقوبة.
فهذا وأمثاله مما يلزم أصحاب هذا القول، وكلام الله منزه عن هذا، وهم إنما قالوا هذا، لأن الله تعالى فعال لما يريد، قالوا: فلو كان أراد منهم أن يطيعوه، لجعلهم مطيعين كما جعل المؤمنين [مطيعين]. انتهى كلامه باختصار وتصرف يسير.
(١) هكذا في الأصل.
(٢) تقدم تعريفهم (٥٧/١).