ومنهم من جعل الجن والإنس هنا خاصاً لمن عبده، وهو ضعيف لوجوه(١).
(١) وهذا مذهب الكرَّامية ومن وافقهم ممن أثبت أن الله خلق المؤمنين لعبادته، ومن لم يؤمن فليس مخلوقاً لعبادته، وهذا القول باطل من وجوه، لم يذكر ابن تيمية هذه الوجوه هنا، لكنه ذكرها في رسالة له في القدر ضمن مجموع الفتاوى (٤٠/٨ - ٤٣) وهذا ملخصها:
قلت: قول هؤلاء الكرامية ومن وافقهم، وإن كان أرجح من قول الجهمية والمعتزلة فيما أثبتوه من حكمة الله، وقولهم في تفسير الآية، وإن وافقوا فيه بعض السلف، فهو قول ضعيف، مخالف لقول الجمهور، ولما تدل عليه الآية لوجوه:
(أ) فإن قصد العموم في الآية ظاهر وبيّن بياناً لا يحتمل النقيض، إذ لو كان المراد المؤمنين فقط لم يكن فرق بينهم وبين الملائكة، فإن الجميع قد فعلوا ما خلقوا له، ولم يذكر الإنس والجن عموماً، ولم تذكر الملائكة، مع أن الطاعة والعبادة وقعت من الملائكة دون كثير من الإنس والجن.
(ب) وأيضاً فإن سياق الآية يقتضي أن هذا ذم وتوبيخ لمن لم يعبد الله منهم، لأن الله خلقه لشيء فلم يفعل ما خلق له، ولهذا عقبها بقوله: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾، فإثبات العبادة ونفي هذا يُبين أنه خلقهم للعبادة، ولم يرد منهم ما يريده السادة من عبيدهم من الإعانة لهم بالرزق والإطعام، ولهذا قال بعد ذلك: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوبًا﴾ أي: نصيباً ﴿مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾ أي: المتقدمين من الكفار، أي: نصيباً من العذاب، وهذا وعيد لمن لم يعبده من الإنس والجن، فَذِكْرُ هذا الوعيد عقب هذه الآية من أولها إلى آخرها يتضمن وعيد من لم يعبده، وذكر عقابه لهم في الدنيا والآخرة فقال تعالى في أولها: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا - إلى قوله - إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ ثم ذكر قوله: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ ثم ذكر وعيد الآخرة بقوله: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (١١) يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)﴾ ثم ذكر وعده للمؤمنين فقال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥)﴾ - إلى قوله - ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾ ثم ذكر قصص من آمن فنفعه إيمانه ومن كفر فعذبه بكفره، فذكر قصة إبراهيم ولوط =