بالكفار والفساق، إذا كان المقصود نفعهم بالتكليف، وهم لم يقبلوا هذا النفع، فما الموجب لمقابلتهم بأنواع من العقاب والسخط والمقت إذا لم يصدر منهم إلا مجرد عدم قبول نفعهم؟ لولا أن هناك أسباباً أخرى، وحكمة أخرى لم يعلموها، ولم يتكلموا بها، فهذا(١).
لفظ اللذة والألم هل يطلقان في حق الله.
[٢٣ب]
وأيضاً فالكتاب والسنة إنما أطلق الحب والبغض والودّ والمقت والرضا والغضب والفرح والأذى، دون لفظ اللذة والألم، لأن هذين الاسمين كثيراً ما يطلقان في خصائص المخلوق التي تنفعه وتضره، مثل الأكل والشرب والنكاح، ومثل المرض الذي هو الوصب والنصب والجوع/ والعطش والعذاب بالنار ونحو ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: ١٥]، وقال: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُّ﴾ [الزخرف: ٧١]، وقال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الانشقاق: ٢٤]، فالالتذاذ والانتفاع متقاربان، والتألم والتضرر متقاربان، وإن كان المنفعة والمضرة أعم في الاستعمال، ولهذا قيل: إن المنفعة قرينة الحاجة، فإنما ينتفع الحي بما هو محتاج إليه، ويتضرر بما يؤلمه، وقد قال الله تعالى - فيما يُروى في الحديث الصحيح -: (يا عبادي إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضرّي فتضروني)(٢)، وهذا الحديث ينفي بلوغ الخلق لذلك، وعجزهم عن ذلك، وما فعله الخلق فإنما فعلوه بقوة الله ومشيئته وإذنه، ولا حول ولا قوة إلا به.
(١) في الأصل: فهذا هذا، وكُتب في الهامش: اترك هذا وابدأ من المكان المبيض الذي في ظهر القائمة التي تلي هذه، ويأتي(...) وما بين القوسين كلمة غير واضحة.
(٢) تقدم تخريجه (٦٣/٢).