وحقيقة ذلك تعود إلى أن الدين الذي أمر الله به شرعاً من بين سائر الكائنات، له من الله مزية واختصاص بذلك صار محبوباً مأموراً به، وذلك من وجهين:
أحدهما: من جهة عوده إلى الخلق، لما في الدين من مصلحتهم ومنفعتهم في الدنيا والآخرة بالثواب والنعيم المقيم المتعلق بالمخلوق، والمتعلق بالخالق، كالنظر إلى وجهه الكريم.
والثاني: من جهة عوده إلى الخالق حتى يصح أن يكون محبوباً لله مرضياً محموداً مفروحاً به، وإلا فنفس تَنَّعُم هذا العبد، وتعذب/ هذا العبد، وصلاح هذا، وفساد هذا، سواءً بالنسبة إلى الله من جهة الخلق والمشيئة والتكوين، فلا بد أن يكون لأحدهما إلى الله إضافة وتعلق ونسبة بها يكون محبوباً له، مرضياً مفروحاً به، محموداً مثنياً على أصحابه، ويكون الآخر مسخوطاً عليه، ممقوتاً مبغضاً، ونحو ذلك، وراء ما يلحقه من العذاب.
[٢١أ]
وهذا الفرق هو حقيقة الدين، وسرّ الأمر والنهي، وغاية التكليف الشرعي، ومقصود الرسالة والكتاب، ولهذا تكلم الناس في علة خلقه للخلق، ثم أمره بالدين(١).
المذاهب في علة خلق الخلق و الأمر بالدين.
فقال فريق: إنه فعل ذلك لنفع الخلق ومصلحتهم، وزعموا أن هذا وجه حسن الفعل والأمر، وإن لم يكن هذا واقعاً بالجميع ولا عائداً منه حكم إلى الفاعل، وهذا قول المعتزلة(٢)
مذهب المعتزلة أن الحكمة من الخلق و الأمر بالدين، نفع الخلق و مصلحتهم.
(١) فصل ابن تيمية هذه المسألة تفصيلاً مطولاً في رسالة ضمن مجموع الفتاوى (٣٧/٨ - ٥٧).
(٢) تقدم تعريفهم (٦٩/١).