الابتداء بالإحسان الذي ليس بواجب، والعفو عن حقوقه عليهم (يدخل)(١) في قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩].
ونكتة هذا الكلام أن يفرق الإنسان بين العدل الذي هو الغاية، وليس بعده إحسان، وهو العدل بين الناس، وبين العدل الذي فوقه الإحسان، وهو العدل مع الناس.
الأول:حقّ الخلق عليه،والثاني:حقٌّ له عليهم.
(فعلى كل)(٢) منهما على صاحبه العدل، فعليه أن يوفيهم العدل الذي عليه، وليس عليه أن يستوفي عدل منهم، بل قد يستحب له الإحسان بتركه.
ومن العدل الواجب - كما قررته في غير هذا الموضع - أن الظالم لا يجوز أن يُظلم، بل لا يُعتدى عليه إلا بقدر ظلمه، كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣].
وقال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠]، وقال: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]، ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٢].
/ وقد تقدم قول النبي ﷺ: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا
[١٧ب]
(١) في الأصل: ويدخل.
(٢) في الأصل: فلعل.