والحزن يتعلق بالحاضر والماضي، فلا هم يخافون ما أمامهم، ولا هم يحزنون على ما هم فيه، وما وراءهم، ثم إنه قال في الخوف: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ ولم يقل: يخافون، فإنهم في الدنيا يخافون مع أنه لا خوف عليهم، وقال: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ فلا يحزنون بحال، لأن الحزن إنما يتعلق بالماضي، (وهم)(١) وأنواع الألم منتفية بانتفاء الخوف والحزن، فإن المتألم لا يخلو من حزن، فإذا انتفى الحزن انتفى كل ألم.
وقال في عملهم: ﴿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [البقرة: ١١٢]، فإسلام وجهه كما قاله أئمة التفسير: هو إخلاص دينه وعمله لله، وقيل: تفويض أمره إلى الله(٢).
معنى إسلام الوجه لله.
وهم نِعْمَ القسمين، كما سنبينه إن شاء الله، فإن إسلام وجهه يقتضي أنه أسلم نيته وعمله ودينه لله، أي: جعله لله خالصاً سالماً، والإحسان هو فعل الحسنات، فاجتمع له أن عمله خالص، وأنه صالح، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ((اللهم اجعل عملي كله صالحاً، واجعله لوجهك خالصاً، ولا تجعل لأحد فيه شيء))(٣).
وقال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ
(١) هكذا في الأصل، ولعل هنا سقط، والله أعلم.
(٢) فسَّر الآية بمعنى أخلص دينه لله، الربيع بن خثيم، كما في تفسير ابن جرير - ت: أحمد شاكر - (٢/ ٥١٠) برقم (١٨١٠)، وعن أبي العالية، كما في تفسير ابن أبي حاتم، انظر: الدر المنثور (١/ ٢٦٣)، وعن سعيد بن جبير، كما في تفسير ابن أبي حاتم (١/ ٢٠٨) برقم (١١٠٠).
(٣) أخرجه أحمد في الزهد (ص ١٤٧) من طريق الحسن البصري عن عمر، وأخرجه أبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (٤/ ٢٦٢) برقم (١٠١٨) من طريق مطيع بن إبراهيم عن أبيه وعبد العزيز بن أبي عثمان أنه بلغهما عن عمر بن الخطاب ...