ولا منافاة بين القولين، فإن مثل هذا الكلام قد لا يكون للتحديد، وإنما يكون للتمثيل، كمن سُئل عن الخبز فأخذ رغيفاً وقال: هو هذا.
ففسروا الضالِّين من عبَّاد الكفار وعبَّاد أهل البدع، وقد أخبر الله أنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، وأخبر أنهم يرون أعمالهم السيئة حسنة، فهم مع رأي وحسبان غير مطابق للحقيقة.
القسم الثالث(١): ما يكون صالحاً، ولا يريد به فاعله وجه الله، وهذا أيضاً كثير، مثل: ما يعمله العاملون من الأعمال الطاهرة المشروعة من إقراء العلم والقرآن وأمر بمعروف ونهي عن منكر، وجهاد في سبيل الله، وعدل بين الناس وإحسان إليهم من صدقة ومعروف وإصلاح بين الناس، ولهذا قال تعالى: ﴿لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ/ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤]، وقال عن المتصدقين: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩]، وقال النبي ﷺ: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)(٢).
(٣) عمل صالح لكن لا يُراد به وجه الله.
[١٠ب]
وقد ثبت في صحيح مسلم حديث أبي هريرة في متعلم العلم والمقتول في الجهاد وفي المتصدق إذا لم يكونوا مخلصين، وأنهم أول ثلاثة تُسجر بهم النار(٣).
(١) انظر القسمين الأولين (ص٢٣).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب من سأل وهو قائم عالماً جالساً، برقم (١٢٣) وأطرافه (٢٨١٠، ٣١٢٦، ٧٤٥٨) ومسلم (١٥١٢/٣) برقم (١٩٠٤).
(٣) أخرجه مسلم (١٥١٣/٣) برقم (١٩٠٥).