الإرادات، لكنه غائب عنها كغيبته عن نفسه مع وجودها، وهذا كله حسن، وإن كان البقاء أفضل ما لم يُفض الأمر إلى ترك مأمور به جرياً مع الكوني.
وما يغلط فيه بعضهم قول طوائف منهم: إن من طلب شيئاً بعبادته لله كان له حظ، وكان سَعَى لحظه، وإنما الإخلاص أن لا تطلب بعملك شيئاً، ولا يكون لك حظ ولا مراد، ثم يقولون: لا يريد إلا الله ولا يطلب إلا وجهه، هذا في الدنيا، وفي الآخرة، لا يطلب إلا رؤيته.
وبعضهم قد يقول: إذا طلبت رؤيته كنت في حظك، بل لا يكون لك مطلوب.
خطأ الصوفية ظنهم أن طلب رؤية الله مخالف للإخلاص.
وينشد قول بعضهم:
أحبك حبين حب الهوى وحب لأنك أهل لذاكا
/ فأما الذي هو حب الهوى فكشفك الحجب حتى أراكا [١٦ أ]
وأما الذي أنت أهل له فحبي خصصت به عن سواكا
فما الفضل في ذا ولا ذاك لي ولكن لك الفضل في ذا وذاكا(١)
وهذا الكلام فيه حق، ويقع فيه غلط، فأما [الحق] فهو ما اشتمل عليه من الإخلاص لله وإرادة وجهه دون ما سواه، وطلب النظر إلى وجهه، والشوق إلى لقائه، كما في الحديث المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجهين:
(١) ذكر الأبيات أبو نعيم في الحلية (٩/٣٤٨) منسوبة إلى عابدة التقت بذي النون المصري، ولكن بترتيب مختلف، وهذا نصها:
أحبك حبين حب الهوى وحباً لأنك أهل لذاكا
فأما الذي هو حب الهوى فذكر شغلت به عن سواكا
وأما الذي أنت أهل له فكشفك للحجب حتى أراكا
فما الحمد في ذا ولا ذاك لي ولكن لك الحمد في ذا وذاكا