إذا غلب على قلبه حتى غاب به عن شهود نفسه وإرادته، فهو يحب هذا الفناء لأنه متى رجع إلى نفسه أرادت هواها، فهو يريد أن تفنى عن نفسه حتى يكون الحق هو الذي يريد له وبه.
ثم إنه مع الفناء في نوع من الإرادة لله التي هي أعظم
= العلم بالغير والنظر إليه، فهذا الفناء فيه نقص، فإن شهود الحقائق على ما هي عليه، وهو شهود الرب مدبِّراً لعباده، أكمل من شهود وجوده أو صفة من صفاته، أو اسم من أسمائه.
الثالث:فناء عن وجود السوى، بمعنى أنه يرى أن الله هو الوجود، وأنه لا وجود لسواه، لا به ولا بغيره، وهذا القول والحال للاتحادية الزنادقة من المتأخرين كالبلياني والتلمساني والقونوي ونحوهم، الذين يجعلون الحقيقة أنه عين الموجودات، وحقيقة الكائنات، وأنه هو عين الموجودات، فهذا كفر وضلال، ربما تمسك أصحابه بألفاظ متشابهة توجد في كلام بعض المشايخ كما تمسك النصارى بألفاظ متشابهة تروى عن المسيح، ويرجعون إلى وجد فاسد أو قياس فاسد، فتدبر هذا التقسيم فإنه بيان الصراط المستقيم.
مجموع الفتاوى (٣٣٧/١٠ - ٣٤٣) باختصار وتصرف يسير.
أما الاصطلام، فهو القسم الثاني من أقسام الفناء الذي ذكره ابن تيمية، قال رحمه الله: ((والفناء ثلاثة أقسام: فناء عن وجود السوى، وفناء عن شهود السوى، وفناء عن عبادة السوى.
فالأول: هو فناء أهل الوحدة الملاحدة كما فسروا به كلام الحلاج وهو أن يجعل الوجود وجوداً واحداً.
وأما الثاني: وهو الفناء عن شهود السوى، فهذا هو الذي يعرض لكثير من السالكين، كما يحكى عن أبي يزيد وأمثاله، وهو مقام الاصطلام، وهو: أن يغيب بموجوده عن وجوده، وبمعبوده عن عبادته، وبمشهوده عن شهادته، وبمذكوره عن ذكره، فيفنى من لم يكن، ويبقى من لم يزل.
وهذا كما يحكى أن رجلاً كان يحب آخر، فألقى المحبوب نفسه في الماء فألقى المحب نفسه خلفه، فقال: أنا وقعت فلم وقعت أنت؟ فقال: غبت بك عني، فظننت أنك أني)). مجموع الفتاوى (٣١٤/٢) باختصار.