227

Al-Majmūʿa al-ʿUlyā min kutub wa-rasāʾil wa-fatāwā Shaykh al-Islām Ibn Taymiyya

المجموعة العلية من كتب ورسائل وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية

Editor

هشام بن اسماعيل بن علي الصيني

Publisher

دار ابن الجوزي

Edition

الأولى

Publication Year

1422 AH

Publisher Location

المملكة العربية السعودية


= والذي يتصف به العبد ثلاثة: أفعال، وأخلاق، وأحوال.

فالفناء في الأفعال بترك مذموم أفعاله بلسان الشريعة، ويُقال: إنه فني عن شهواته، فإذا فني عن شهواته، بقي بنيته وإخلاصه في عبوديته.

والفناء في الأخلاق بمعالجة أخلاقه، فمن نفى عن قلبه الحسد والحقد والبخل والغضب وأمثال هذا من سوء الخلق، يُقال: فني عن سوء الخلق، وبقي بالفتوة والصدق.

والفناء في الأحوال، بمشاهدة جريان القدر في تصاريف الأحكام، فيُقال: فني عن حسبان الحدثان من الخلق، فإذا فني عن توهم الآثار من الأغيار، بقي بصفات الحق، ومن استولى عليه سلطان الحقيقة حتى لم يشهد من الأغيار لا عيناً ولا أثراً ولا رسماً، يُقال: فني عن الخلق وبقي بالحق، وفناؤه عن نفسه وعن الخلق، بزوال إحساسه بنفسه وبهم.

وإذا قيل: فني عن نفسه، وعن الخلق، فنفسه موجودة، والخلق موجودون، ولكنه لا علم له بهم ولا بها، ولا إحساس ولا خبر، فتكون نفسه موجودة، والخلق موجودين، ولكنه غافل عن نفسه وعن الخلق أجمعين، غير محس بنفسه وبالخلق.

وقد ترى الرجل يدخل على ذي سلطان، أو محتشم، فيُذهل عن نفسه وعن أهل مجلسه هيبة، وربما يذهل عن ذلك المحتشَم، حتى إذا سُئل بعد خروجه من عنده عن أهل مجلسه وهيئات ذلك الصدر، وهيئات نفسه، لم يمكنه الإخبار بشيء، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ: أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٣١] الرسالة القشيرية (ص١٠٢ - ١٠٤) باختصار وتصرف يسير.

أما شيخ الإسلام فقد بيّن أن الفناء عند الصوفية يُفسر بثلاثة أمور:

أحدها: فناء القلب عن إرادة ما سوى الرب والتوكل عليه، وعبادته وما يتبع ذلك، فهذا حق صحيح، وهو محض التوحيد والإخلاص، وهو في الحقيقة عبادة القلب وتوكله واستعانته وتألهه وإنابته وتوجهه إلى الله وحده لا شريك له، وما يتبع ذلك من المعارف والأحوال، وليس لأحد خروج عن هذا، وهذا الفناء لا ينافيه البقاء، بل يجتمع هو والبقاء، فيكون العبد فانياً عن إرادة ما سواه، وإن كان شاعراً بالله وبالسوى.

الثاني: فناء القلب عن شهود ما سوى الرب، فذاك فناء عن الإرادة وهذا فناء عن الشهادة، ذاك فناء عن عبادة الغير والتوكل عليه، وهذا فناء عن =

59