بالاضطرار أن المفعول بين فاعلين لا يكون كل منهما مستقلاً به، فإن المستقل هو الذي يفعل الفعل وحده، فإذا قُدّر أن له فيه شريكاً - وقيل مع ذلك: إنه مستقل - كان جمعاً بين النقيضين، وكان التقدير أنه ما فعله إلا وحده، وأنه ما فعله إلا هو وغيره، فيكون فيه إثبات فعل الغير، وهذا جمع بين النقيضين.
٤- وبيّن أن الاشتراك في الفعل من الشريكين، أنه إذا لم يكن كل واحد منهما قادراً على ذلك الفعل وحده كان عاجزاً، وإن كان قادراً على العمل وحده، فوجود الآخر معه يمنعه عن نفاذ قدرته، إذ هو لا يمكن مع معونة الآخر أن يفعل الفعل كله، بل بعضه، فإن كان الكل مقدوراً كان ممنوعاً، وإن لم يكن الكل مقدوراً، كان عاجزاً، والممنوع كالعاجز، فالمشاركة في العمل تقتضي عجز كل منهما، وعدم كمال قدرته على ذلك العمل حين الاشتراك.
وهذا يمانع أن المنع من فعل البعض، كالمنع من فعل الجميع، فظهر أن الاشتراك نفسه - مع التعاون والتناصر - هو تمانع يقتضي عجز كل منهما.
٥- وأما التمانع الذي قدروه - أعني المتكلمين - فذاك تمانع الإرادتين، فهذا لا يكون إلا مفروضاً، لا يمكن أن يكون موجوداً، فلا يتصور صدور العالم عن ربَّين متمانعين، بل المتمانعان لا يفعلان شيئاً.
٦- وظنهم أن هذه الآية هي دليل التمانع غلط عظيم، فإن التمانع لا يُقدّر في فعل موجود أصلاً، وقولهم: لو قُدر قادرين - لكان إذا أراد أحدهما تحريك جسم، وأراد الآخر تسكينه، إما أن ينفذ مرادهما فيجتمع الضدان، أو لا ينفذ