إن الله خلق العباد ليعبدوهُ ويحمدوه، فلمَ لمْ يحصل مراده من جميع الخلق مع قدرته عليه؟
وهذا السؤال لما استشعر الناس وُرُودَه، أجابوا عنه على أصولهم.
فقال الفريق الأول: وهو قول كثير ممن ينصر السنة: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾: إلا ليعرفون، يعني المعرفة العامة الفطرية الموجودة في المؤمن والكافر، وهذا القول ضعيف جداً، وهو مردود عليه من وجوه:
أ - لأنه ذمهم على ترك التوحيد، مع أن جميع الناس مفطورون على المعرفة العامة.
ب - ولأن ذلك لم يوجد من المجانين ولا من الجاحدين.
ج - ولأنه أي مقصود له في ذلك، حتى ينفي إطعامهم ويثبت ذلك، إذا كان الكل سواء؟
وقال فريق ثانٍ- وهو مذهب الكرَّامية ومن وافقهم -: الجن والإنس هنا خاصاً لمن عبده، وهو ضعيف لوجوده(١).
أ - فإن قصد العموم في الآية ظاهر وبيّن بياناً لا يحتمل النقيض، إذ لو كان المراد المؤمنين فقط لم يكن فرق بينهم وبين الملائكة، فإن الجميع قد فعلوا ما خلقوا له، ولم يذكر الإنسان والجن عموماً، ولم تذكر الملائكة، مع أن الطاعة والعبادة وقعت من الملائكة دون كثير من الإنسان والجن.
ب - وأيضاً فإن سياق الآية يقتضي أن هذا ذم وتوبيخ لمن
(١) هذه الوجوه لم تُذكر ضمن هذه الرسالة، وهي مستفادة مما ذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٤٠/٨ - ٤٣) وذكرتها هنا لإكمال الفائدة والبيان.