والثانية : اختارت أنه لا يقدر على أن يفعل بهم غير ما فعل من الإعانة، وهؤلاء أكثر القدرية.
٩ - وقالت الأشاعرة ونفاة الحكمة والتعليل: لا يجوز تعليل شيء من ذلك، بل خَلَق وأمَرَ لمحض المشيئة، وصِرْفِ الإرادة، ولا يجوز تعليل ذلك لمصلحة العباد ونفعهم، ولا غير ذلك، وهذا القول يلزمه من اللوازم الفاسدة - التي تتضمن التسوية بين محبوب الله ومكروهه، ومأموره ومنهيه، وأوليائه وأعدائه - أشياء فيها من البطلان والشناعة، ما يعلم به تفريط هؤلاء وغلطهم.
١٠ - ومما يُردّ به على الأشاعرة ومنكري التعليل أن يقال: معلوم أن الإرادة المحضة خاصتها التخصيص، كتخصيص بعض الأعيان بنوع من المقادير والصفات، مما يمكن ضده وخلافه.
أما التخصيص بالخير دون الشر، والنفع دون الضر، والنعيم دون العذاب، وجعل هذا محبوباً، وهذا ممقوتاً، فلا يجوز أن يكون معنى هذا الإرادة المحضة، لأن الإرادة متعلقة بكل حادث، وحكمها في سائر أنواع الحوادث حكم واحد، فلم سميت هنا محبة، وهنا بغضاً، ألا ترى أن الإرادة المتعلقة بغير المأمور به والمنهي عنه لا تدعُ إلى ذلك، فلا يقال في حق الجائع والشبعان: هذا محبوب، وهذا مبغض، وإن كان أحدهما متنعماً بما هو فيه، والآخر معذباً بما هو فيه.
فإذا كان قد أثاب قوماً بعملهم الصالح في الدنيا والآخرة، وعاقب قوماً بعملهم السيئ في الدنيا والآخرة، بمشيئته.
وفرق بين الجائع والشبعان، بمشيئته، فلم جعل في هؤلاء محبوباً ومكروهاً، ولم يجعل في باب الشبعان والجائع محبوباً