استفرغ وسعه، ولم يمكنه أن يجعل لهم إرادة، وإنما أمكنه أن يجبرهم ويضطرهم إلى الإيمان والعبادة، وتلك لا تنفعهم.
وأما العبادة الاختيارية، فلا يقدر عليها إلا هم، ولا يفعلها إلا هم، والتزموا من اللوازم الفاسدة ما يطول وصفه، وردّ الناس عليهم ردوداً يطول وصفها.
ز - وقيل لهم: وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِّ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾، وقال: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾، قال جمهور السلف ما دلّ عليه الخطاب: خلق فريقاً للرحمة، وفريقاً للاختلاف.
فقالوا: هذه لام العاقبة والصيرورة، لا لام الغرض والقصد والإرادة، فإن الفاعل الذي يقصد غاية، تكون اللام في فعله للتعليل والإرادة، إذ هي العلة الغائية، والذي لا يقصدها، تكون اللام في فعله لام العاقبة.
حـ - فيقال لهم: لام العاقبة، إما أن تكون من جاهل بالعاقبة، كقوله: (فَالتَقَطَهُۥ ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا) أو من عاجز عن دفع العاقبة السيئة، كقولهم لدوا(١) للموت، وابنوا للخراب.
فأما العالم القادر، فعلمه بالعاقبة [السيئة] وقدرته على وجودها ودفعها، ينبغي أن لا يكون مريداً لها.
فافترق القدرية فرقتين، الأولى: منهم من اختار أنه لم يكن عالماً بما يؤول إليه الأمر من الطاعة والمعصية.
(١) فعل أمر من ولد يلد، فتنبه!