96

Al-Kawākib al-durrīya fī manāqib al-mujtahid Ibn Taymiyya

الكواكب الدرية في مناقب المجتهد ابن تيمية

Editor

نجم عبد الرحمن خلف

Publisher

دار الغرب الإسلامي

Publication Year

1406 AH

وحكي مِن شجاعة الشيخ في مواقف الحروب "نوبة شقحب" سنة اثنين وسبعمائة، ونوبة كسروان ما لم يُسمع إلاّ عن صناديد الرّجال وشجعان الأبطال فكان تارة يباشر القتال، وتارة يحرّض عليه، قائماً بظهوره وجهاده، شاكاً في سلاحه ولامَّة حربه، يُوصي النَّاس بالثّبات، ويعدهم بالنّصر، ويُبشرهم بالغنيمة. وركب البريد إلى مهنى بن عيسى واستحضره إلى الجهاد، وركب بعدها إلى السلطان واستنفره وواجهه بالكلام الغليظ أمراءه وعسكره. ولما جاء السلطان الملك الناصر بجيوش الإِسلام للقاء التتار، وشقحب جعل الشيخ يشجع السلطان ويُثبّته.

فلما رأى السلطان كثرة التتار قال: يا خالد بن الوليد. فقال له: لا تقل هذا بل قُلْ: يا الله. واستعن بالله ربّك، ووحِّدْهُ وَحْدَهُ تُنْصر، وقل يا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين. ثم صار تارة يقبل على الخليفة، وتارة على السلطان ويربط جأشهما، حتّى جاء نصرُ الله والفتح، وحكي أنَّه قال للسلطان: إثبت فأنت منصور.

فقال له بعض الأمراء: قل إن شاء الله.

فقال: إنْ شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً. فكان كما قال.

وحكى بعضُ الحُجَّاب الأمراء قال: قال لي الشيخ يوم اللقاء وقد تراءى الجمعان: يا فلان أوقفني موقف المَوْت. قال: فسبقته إلى مقابلة العدوّ وهُم مُنحدرون كالسّيل تلوح أسلحتهم من تحت الغُبار، وقلت له: هذا موقف الموت فدُونك وما تريد. قال: فرفع طرفه إلى السماء، وأشخص بصره وحرَّك شفتيه طويلاً، ثم انبعث، وأقدم على القتال، وقد حصل لي أنَّه دعا عليهم وأنَّ دعاءه استُجيب منه في تلك الساعة(١) قال: ثم صار القتال بيننا والإِلتحام، وما عدت رأيته حتى فتح الله ونصر، ودخل جيش الإِسلام إلى دمشق المحروسة، والشيخ في أصحابه شَاكاً في سلاحه عالية كلمتُه،

(١) ابن عبد الهادي - العقود الدرية: ص ١٩٣ - ١٩٤ .

96