88

Al-Kawākib al-durrīya fī manāqib al-mujtahid Ibn Taymiyya

الكواكب الدرية في مناقب المجتهد ابن تيمية

Editor

نجم عبد الرحمن خلف

Publisher

دار الغرب الإسلامي

Publication Year

1406 AH

معيشتها، بل جُلّ هِمّتِه وحديثه في طلب الآخرة، وما يُقَرِّب إلى الله - تعالى -.

وأمَّا تواضعه(١): فكان يتواضع للكبير والصغير، والجليل والحقير والفقير، ويدنيه(٢)، ويكرمه، ويباسطه بحديثه زيادة على الغني، حتّى أَنَّه رُبّما خدمه بنفسه وأعانه بحمل حاجته جبراً لقلبه.

وكان لا يسْأم ممّن يستفتيه أو يسأله، بل يُقبل عليه ببشاشة وجه، ولينِ عريكةٍ، ويقف معه حتى يكون هو الذي يفارقه، ولا يُحرجُه، ولا ينقده بكلام يُوحشه، بل يجيبه ويُفْهمه، ويُعرِّفُه الخطأ مِن الصَّواب بلُطف وانْبساطٍ.

وكان يُلْزَمُ التَّواضُعَ - في حضوره مع الناس، ومغيبه عنهم - في قيامه وقعوده ومشیه، ومجلسه ومجلس غيره.

وأمَّا كرامته وفراسته: فقال الشيخ الحافظ أبو حفص عمر: ((جرى بيني وبين بعض الفضلاء منازعة في عدَّة مسائل، وطال كلامنا فيها، وجعلنا الشيخ المرجع، فلمَّا حضر هممْنا لسُؤاله عنها فسبقنا هو وشرع يذكر لنا مسألة مسألة كما كنا فيه، ويذكر أقوال العلماء فيها، ثم يُرَجِّح منها ما رَجَّحَه الدليلُ، حتَّى أتى على آخر ما أردنا. فبقينا ومن حضر مبهوتين مُتعجّبين.

وكنتُ في صُحبتي له إذا خطر لي بحث يشرع يورده ويذكر الجواب عنه مِنْ عِدَّةِ وجوه، فما سُمِعَ بأحد مِنْ أهل عصره مثله في ذلك - رحمه الله(٣) -).

قال: ((وحدَّثني الشيخ الصالح المقريء أحمد قال: لما قدمت دمشق لم يكن معي شيء من النَّفقة البتّة، وأنا لا أعرف أحداً مِن أهلها، فجعلت

(١) الأعلام العلية: ص ٥٢ - ٥٣.

(٢) في الأعلام العلية: ص ٥٢: ((وكان يدني الفقير الصالح، ويكرمه ويؤنسه ويباسطه بحديثه المستحلي، زيادة على مثله من الأغنياء)) وقد أشرنا - سابقاً - إلى أنَّ المُصَنَّف - رحمه الله - يتصرف بإيراد النصوص، تصرفاً كبيراً، فليتنبه لذلك.

(٣) الأعلام العلية: ص ٥٨ - ٥٩.

88