86

Al-Kawākib al-durrīya fī manāqib al-mujtahid Ibn Taymiyya

الكواكب الدرية في مناقب المجتهد ابن تيمية

Editor

نجم عبد الرحمن خلف

Publisher

دار الغرب الإسلامي

Publication Year

1406 AH

وأمَّا(١) كرمه: فكان - رضي الله عنه - مجبولاً على الكرم، ولا يتطبّعه، ولا يتصنّعه، بل هو له سجيّة، وكان لا يَرُدّ مَنْ يسأله شيئاً يقدِرُ عليهِ من [١٢/أ] دراهم ودنانير وثياب وكتب، بل كان إنْ لمْ يقْدر يعمد إلى شيء مِنْ لباسه فيدفعُه إلى السائل، وذلك مشهور عند الناس من حاله.

وقال الحافظ ابن فضل الله العمري: كانت تأتيه القناطر المقنطرة مِن الذهب والفضّة والخيل المسوّمة والأنعَام والحرْثِ، فيهَبُ ذلك بأجمعه ويضعه عند أهل الحاجة في موضعه لا يأخذ منه شيئاً إلاّ ليهبه، ولا يحفظه إلَّا ليُذهبه.

وقال في موضع آخر: كان يجيئه مِن المال في كلّ سنة ما لا يكاد يُحصى، فيُنفقه جميعَه آلافاً ومئين، لا يلتمس منه درهماً، ولا يُنفقه في حاجته.

حكى مَنْ يُوثَقُ به قال: ((كنت يوماً جالساً بحضرة شيخ الإسلام ابن تيمية - رضي الله عنه - فجاء إنسان فسلّم عليه فرآه الشيخ محتاجاً إلى ما يعتّم به فنزع الشيخ عمامته - من غير أن يسأله الرّجُل - فقطعها نصفين واعْتَمَّ بنصفها، ودفع النّصف الآخر لذلك الرجل، ولم يحتشم للحاضرين عنده))(٢).

وَحَدَّثَ مَنْ يُوثَقُ به: أَنَّ الشيخ - رضي الله عنه - كان ماراً في بعض

(١) الأعلام العلية: ص ٦٥.

(٢) قال الإِمام عمر البزار في ((الأعلام العلية)) ص ٦٦ - ٦٧:

وقد روي مثل ذلك عن سيّد الأنام، وأكمل الخلق مروءة وعقلاً وعلماً، محمد المصطفى - صلَّى الله عليه وآله وسلم -: أنَّه لبِسَ يوماً شملة سوداء، لها حواش بيض، وخرج إلى المسجد، وجماعة من المسلمين حضور. فرآه إنسان فقال: يا رسول الله أعطني هذه الشملة. وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يمنع سائلاً يسأله. فنزعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن كريمة المكرم، ودفعها إلى ذلك الرجل، وطفق الناس يلومون ذلك الرجل على ما فعل، وكونه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان محتاجاً إلى ما لبسه، وقد علم أنَّه لا يمنع شيئاً يسأله. فقال الرجل معتذراً إليهم: إني لم أطلبها لألبسها، ولكن لأجعلها لي كفناً عند موتي.

قال الراوي: فأمسكها عنده حتى كانت كفنه.

86