85

Al-Kawākib al-durrīya fī manāqib al-mujtahid Ibn Taymiyya

الكواكب الدرية في مناقب المجتهد ابن تيمية

Editor

نجم عبد الرحمن خلف

Publisher

دار الغرب الإسلامي

Publication Year

1406 AH

وخدمتهم الأمراء واختلافهم إلى أبوابهم، وذلّ الأمراء بين يديه، وعدم اكتراثه بهم، وقوّة جأشه في محاورتهم؟! بلى والله ولكن قتلتهم الحالقة، حالقة الدِّين لا حالقة الشّعر.

وأمَّا (١) إيثاره مع فقره فكان : - رضي الله عنه - مع رفضه للدّنيا، وتقلّله منها، مؤثراً بما عساه يجده منها قليلاً كان أو كثيراً، ولا يحتقر القليل فيمنعه ذلك عن التصدُّق به، ولا الكثير فيصرفه النَّظرِ إليه إلى الإِسعاف به، فقد كان يتصدَّق حتى إذا لم يجد شيئاً نزع بعض ثيابه فيصل بها الفقراء، وكان يستفضل مِن قُوتِه الرَّغيف والرَّغيفين فُيُؤثر بذلك على نفسه.

وذكر الشيخ الصالح زين الدين علي الواسطي(٢): أنَّه أقام بحضرة الشيخ مُدَّة طويلة. قال: فكان قوتنا أنَّه يأتيني بُكرة النَّهار ومعه قُرص قدْره نصفُ رطل بالعراقيّ فيكْسِرُه بيده لقماً، ونأكل، ثم يرفع يده قبلي، ولا يرفع باقي القرص مِنْ بين يديّ حتى أشبع إلى اللّيل، وكنت أرى ذلك مِن بركة الشيخ، ثُمّ بعد عشاء الآخرة يأتي بعشائِنا فيأكل هو معِي لُقِيْمات، ثم يُؤْثُرني بالباقي، وكنت أسأله أَنْ يزيد على أكله فلا يفعل، حتَّى أنّي كنت في نفسي أتوجع له مِنْ قِلَّة أكله، وكان هذا يأتينا في غالب مدة إقامتنا عنده، وما رأيتُ نفسي أغْنى منها في تلك المدة، ولا رأيتني أجمع(٣) هَمَّ منِّي فيها.

وحكى غيرُ واحد ما اشتهر عنه مِن كثرة الإِيثار، وتفقَّد المحتاجين والغرباء، واجتهاده في مصالحهم وصِلاتهم ومساعدته لهم، بل ولكلّ أحد مِن العامّة والخاصّة مِمَّن يُمكنه فعل الخير معه، وإسداء المعروف إليه بقوله وفعله وجهده وجاهه.

(١) الأعلام العلية: ص ٥٠ - ٥٢.

(٢) وهو علي بن الحسن بن أحمد الشافعي المتوفي سنة ٧٣٣ هـ، كان زاهداً، حج ستين حجة، ومات مُخْرِماً ببدر. (ابن حجر - الدرر الكامنة: ٣٧/٣).

(٣) ويعني بذلك: إنشراحُ صدره للعبادة، واجتماعُ هَمِّه عليها، وقوة عزمه على ذلك الأمر. وقد رَجّح الأستاذ الشاويش: ((أفقرهما))، وقال عن عبارة ((أجمع هما)): لا معنى لها. وهو بعيد. (الأعلام العلية: ص ٥٢).

85