84

Al-Kawākib al-durrīya fī manāqib al-mujtahid Ibn Taymiyya

الكواكب الدرية في مناقب المجتهد ابن تيمية

Editor

نجم عبد الرحمن خلف

Publisher

دار الغرب الإسلامي

Publication Year

1406 AH

تعالى - أجراه مُدّه عمره كلَّها على الورع، فإنّه ما خالط النَّاس في بيع، ولا شراء، ولا معاملة ولا تجارة، ولا مشاركة ولا مزارعة ولا عمارة، ولا كان ناظراً أو مباشراً لمال وَقْفٍ. ولم يقبل جراية ولا صِلة لنفسه من سلطان، ولا أمير ولا تاجر، ولا كان مَدَّخِراً ديناراً ولا درهماً ولا متاعاً ولا طعاماً، وإنّما كانت بضاعته مدّة حياته وميراثه بعد وفاته - رضي الله عنه - العلم، إقتداء بسيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم -.

فإنّه قال: إِنَّ العلماء ورثة الأنبياء إنَّ الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً ولكن ورثوا العلم فمن أخذ به فقد أخذ بحظّ وافر(١).

وأمَّا(٢) زهده: فقد جعله الله له شعاراً مِن صغره ولقد اتفق كلُّ مَنْ رآه، خصوصاً مَنْ أَطال ملازمته، أنه ما رأى مثله في الزهد في الدنيا، واشتهر عنه ذلك، حتى لو سُئل عاميّ من أهل بلد بعيد مَن أزهد أهل هذا العصر، وأكملهم في رفض فضول الدُّنيا وأحرصهم على طلب الآخرة؟ لقال: ما سمعت بمثل ابن تيمية.

وما اشتهر له ذلك إلاّ لمبالغته في الزهد، مع تصحيح النية، لم يُسمع أنه رغب في زوجة حسناء، ولا سريّة حوراء، ولا شدَّ علی دینار ولا درهم، ولا رغب في دوابٌ ولا نَعَمٍ ، ولا ثياب فاخرة، ولا حَشَمٍ، ولا زاحم في [١١/ ب] طلب الرئاسات، ولا رُئي ساعياً في تحصيل المُباحات، / مع أَنَّ الملوك والأمراء والتجار والكبراء كانوا طوع أمره، خاضعين لقوله، وادِّين أنْ يتقربوا إلى قلبه مهما أمكنهم، مُظهرين لإِجلاله. فأين حاله هذه من حال مَنْ أغراهم الشّيطانُ بالوقيعة فيه؟! أما نظروا ببصائرهم إلى صفاتهم وصفاته، وسِماتهم وسِماته، وتحاسدهم في طلب الدّنيا وفراغه عنها، ومبالغته في الهرب منها،

(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب العلم قبل القول والعمل عن أبي الدرداء، فتح الباري ١ / ١٥٩ - ١٦٠.
ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب النهي عن المسألة: ٢ / ٧١٨ - ٧١٩.
(٢) الأعلام العلية: ص ٤٧.

84