81

Al-Kawākib al-durrīya fī manāqib al-mujtahid Ibn Taymiyya

الكواكب الدرية في مناقب المجتهد ابن تيمية

Editor

نجم عبد الرحمن خلف

Publisher

دار الغرب الإسلامي

Publication Year

1406 AH

يفتحُ اللَّهُ عليه إيرادَ العلوم وغوامضَ ولطائفَ ودقائقَ وفنونَ ونقولَ واستدلالاتٍ بآياتٍ وأحاديثَ، وأقوالِ العلماءِ، ونصرِ بعضِها، وتبيينٍ صحّته أو تزييف بعضها، وإيضاح حجّته، واستشهاد بأشْعار العرب، وربما ذكر اسم ناظمِها، وهو مع ذلك يجري كما يجري السَّيلُ، ويفيضُ كمَا يفيضُ البحر، ويصير منذ يتكلّم إلى أنْ يفرغ، كالغائب عن الحاضرين مُغْمضاً عينيه، ويقع عليه إذْ ذاك من المهابة ما يُرعب القلوب، ويُحيّر الأبصار والعقول. [١٠/ب]

ومِنْ أعجب الأشياء في حفظه أنّه لمّا سُجن صنَّف كُتباً كثيرة، وذكر فيها الأحاديث والآثار، وأقوال العلماء،؛ وأسماء المحدثين، والمؤلفين ومؤلفاتهم، وعزا كلَّ شيء مِنْ ذلك إلى ناقليه وقائليه بأسمائهم، وذكر أسماء الكتب التي ذكر فيها، وفي أي موضع هو منها، كل ذلك بديهة مِنْ حفظه، لأنّه لم يكن عنده حينئذ كتاب يُطالعه. ونقّبتُ واختبرتُ فلم يُوجد فيها بحمد الله خلل ولا تغيّر(١).

وأمّا معرفته بصحيح المنْقول وسقيمِه فإنّه في ذلك مِن الجبال التي لا تُرتقى ذروتُها، ولا يُنال سنامُها، وقَلَّ أَنْ ذُكر له قول إلّ وقد أحاط علمُه بُمُبتكِرِهِ، وذاكرِه، وناقلِه، وأثرِهِ، أو راوٍ إلّا وقد عرف حاله مِنْ جرح، وتعديل، بإجمال وتفصيل(٢).

وأما ما وهبه الله - تعالى - ومنحه به مِن استنباط المعاني مِن الألفاظ النبوية والأخبار المروية، وإبراز الدّلائل منها على المسائل، وتبيين مفهوم اللّفظ ومنطوقه، وإيضاح المُخصّص للعام، والمُقَيِّد للمطلق، والنّاسخ للمنسوخ، وتبيين ضوابطها ولوازمها وملزوماتها، وما يترتب عليها وما يحتاج فيه إليها. فإنّه لا يُوصف(٣)، حتى كان إذا ذكر آية أو حديثاً وَبَيَّنَ معانيه وما أريد

(١) الأعلام العلية: ص ٢٤ .

(٢) الأعلام العلية: ص ٣٢.

(٣) الأعلام العلية: ص ٣٢ - ٣٣.

81