127

Al-Kawākib al-durrīya fī manāqib al-mujtahid Ibn Taymiyya

الكواكب الدرية في مناقب المجتهد ابن تيمية

Editor

نجم عبد الرحمن خلف

Publisher

دار الغرب الإسلامي

Publication Year

1406 AH

والإِعراض عَنْ كثير ممَّا جاء به الرَّسول، والكذب والتَّلبيس، وإظهار المخارق الكاذبة مثل ملامسة النَّار والحيّات، وإظهار الدّم واللّدن والزعفران وماء الورد والعسل وغير ذلك.(١) وإنَّ عامة ذلك عنْ حيل معروفة وأسباب مصنوعة كَطَلِيْ أجسامهم لدُخول النَّار بدُهن الضَّفادِعِ، وباطِن قِشْر النَّارنْجِ، وحجر الطّلق وغير ذلك مِنَ الحيل.

وقال لهم بحضرة نائب السلطنة: أدخُلُ أنا وهم النار، ومن احْترق فعليه لعنة الله، ولكن بعد أن نغسل جسومنا بالخل والماء الحار بالحمام. فلما زيّفهم الشيخ، وأظهر تلبيسهم قال:

حتّى ولوْ دخلتم النّار وخرجتم منها سالمين، وطرتم في الهواء، ومشيتم على الماء لا عبرة بذلك مع مخالفة الشّرع. فإنَّ الدَّجال الأكبر يقول للسَّماء: أمْطري. فتُمطر وللأرض. أنْبتي. فتُنبت، وللخِرْبة أخرجي كنوزَك: فتخرج، ومع هذا فهو دجَّال كذَّاب مَلْعُون، وليس لأحد الخروج عَنِ الشريعة، ولا عَنْ كتاب الله وسنّة رسوله. وذكر لهم قولَ أبي يزيد البسطاميّ: لوْ رأيتمْ الرَّجل يطيرُ في الهواء ويمشي على الماءِ فلا تغتّوا به، حتى تنظروا وقوفه عِنْد الأمر والنهي. وقول الإِمام اللّيث: لو رأيتَ صاحبَ هوىٍّ يطيرُ في الهواء فلا تغتّرّ به. وأطال الكلام في ذلك بحيث انفصل الأمر من عند نائب السلطنة: أنّ كُلِّ مَنْ خَرجَ منهم عَنِ الكتابِ والسُّنَّةِ ضُربت عُنقُهُ(٢).

ثم ظهر الشّيخ نصر المنبجيّ بمصر وشاع أمرُه، فقيل للشيخ ابن

(١) يلاحظ القارئ الكريم الأدب الجمّ والإِنصاف الذي كان يتحلى به شيخُ الإِسلام في محاوراته مع المخالفين. فإنّه هنا في تصدِّيه لإصلاح تجاوزات الصوفية. اتبدأ حديثه معهم بذكر محاسنهمٍ وفضائلهم. بل وأطنب في ذلك. ثمَّ عَمَدَ إلى مساوئهم وبدعهم فذكرها أيضاً. وهكذا فإنّه جمع بين المَدْحِ والقَدْحِ لهم. وقدَّم الأقرب إلى نفوسهم، وما مِن شأنه يعينُ على صفاء القلوب، وتهيئتها لسماع كلمة الحق وقبولها. خلاف مبدأ التبكيت والإهانة والسخرية الذي مِن ثماره قطع طريق الحوار بين ((الأخوة)) المتنازعين. ويُفوّت على المُصْلِحِ الوصول إلى هدفه الكريم.

(٢) ابن عبد الهادي - العقود الدرية: ص ٢١٠ - ٢١١ .

127