111

Al-Kawākib al-durrīya fī manāqib al-mujtahid Ibn Taymiyya

الكواكب الدرية في مناقب المجتهد ابن تيمية

Editor

نجم عبد الرحمن خلف

Publisher

دار الغرب الإسلامي

Publication Year

1406 AH

ثم قال: ((فأما المتوسّط من المتكلّمين: فيخاف عليه ما لا يُخاف على من لم يدخل فيه، وعلى من قد أنهاه نهايته، فإنَّ مَنْ لم يدخل فيه فهو في عافية، ومَنْ أنهاه فقَدْ عرف الغايةَ، فما بَقِيَ يخاف مِنْ شيء آخر، فإذا ظهر له الحقُّ وهو عطشان اطمأنَّ إلیه قلبه.

وأمَّا المتوسط فمتوهّم بما تَلَقَّاه من المقالاتِ المأخوذةِ تقليداً، وقد قال النَّاسُ: أكثر ما يُفْسِدُ الدنيا: نصفُ متكلمٍ، ونصفُ متفقهٍ، ونصفُ متطببٍ، ونصفُ نحْويّ، هذا يُفسد الأديانَ، وهذا يُفسد البُلدَان، وهذا يُفْسد الأبدانَ، وهذا يُفسد اللّسَانَ.

وِمَنْ عَلِمَ أنَّ المُتْكَلِّمينِ مِنَ المُتفلسفةِ وغيرِهم - في الغالبِ - ﴿لِفِي قَولٍ مُخْتَلِفَ(٣)، يُؤْفَكُ عنهُ مَنْ أَفِك﴾ (٢)) يعلمُ الذَكيُّ منهم والعاقَلُ: أَنَّه ليسَ هُوَ فيما يقُولِه عَلى بصيرةٍ وأنَّ حُجَتَه ليست بَيِّنَةً، وإنَّما هي كما قيل فيها:

حُجْجٌّ تهافتُ كالزجاجِ تخالُها حقاً وكلٌ كاسرٌ مكسورُ

ويعلم البصيرُ العالم أنَّهم مِنْ وجه مُستحقون ما قاله الشَّافعيّ - رضي الله عنه - حيث قال: حُكمي في أهل الكلام أَنْ يُضربوا بالجَريد والنِّعال، ويُطاف بهم في القَبائِلِ والعَشائِر، ويُقال: هذا جزاءُ من ترك الكتاب والسنّة، وأَقْبل على الكلام.

وَمِنْ وجه آخر إذا نظرْت إليهم بعيْنِ القَدَرِ - والحيرةُ مستوليةٌ عليهمْ، والشيطانُ مستحوذٌ عليهم - رحمْتُهُم ورفقْتَ بِهم. أوتوا ذكاء، وما أوتوا زكاء، وأعطوا فهوماً وما أُعطوا علوماً، وأعطوا سَمْعاً وأبصاراً وأفئدةٌ ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيءٍ إِذْ كَانُوا يجْحدُون بآياتِ اللَّهِ

= والطريقة الثانية هي ما كان عليه السلف، وعليه يدل كلام جمهورهم، وخلاصتها: إجراء آيات الصفات وأحاديثها على ظاهرها اللائق بجلال الله.

(١) في الأصل (مؤتفك) وهي في مجموع الفتاوى ١١٩/٥ على الصواب على أساس الاستشهاد بها كآية من كتاب الله.

(٢) سورة الذاريات / ٨ - ٩.

111