109

Al-Kawākib al-durrīya fī manāqib al-mujtahid Ibn Taymiyya

الكواكب الدرية في مناقب المجتهد ابن تيمية

Editor

نجم عبد الرحمن خلف

Publisher

دار الغرب الإسلامي

Publication Year

1406 AH

علماً وقدرةً وكلاماً ومشيئة، وإن لم تكن أعراضاً يجوز عليها ما يجوز على صفات المخلوقين، فكذلك الوجه واليد والعين صفات له تعالى لا كصفات المخلوقين، وهذا هو المذهب الذي حكاه الخَطَّبي وغيرُه عن السَّلَف، وعليه يدلُّ كلام جمهورهم، وكلام الباقين لا يخالفه، وهو أمر واضح، فإنَّ الصفات كالذَّات، فكما أنَّ ذات الله ثابتة حقيقة مِن غير أنْ تكون من جنس ذوات المخلوقين، فكذلك صفاته ثابتة مِن غير أنْ تكون مِن جنس صفات المخلوقين. فمَن قال: لا أعقل علماً ويَداً إلَّ من جنس العِلم واليد المعهودتين. قيل له: فكيف / تعقل ذاتاً مِنْ غير جنس ذوات المخلوقين. ومن المعلوم أنَّ صفات كل موصوف تناسب ذاته وتلائم حقيقته، فمَن لم يفهمِ مِنْ صفات الربّ - الذي ليسَ كمثلِهِ شيء - إلَّا ما يناسب المخلوق فقد ضلَّ في عقله ودينه، وما أحسن ما قال بعضهم: إذا قال لك الجَهْمي كيف استوى؟، أو كيف ينزل إلى سماء الدنيا؟ أو كيف يداه؟ ونحو ذلك؛ فقل له: كيف هو في نفسه؟ فإذا قال لا يعلم ما هو إلاّ هو، وكنه الباري غير معلوم للبشر. فقل له: فالعلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف، فكيف يُمكن أَنْ تعلم كيفيَّة صفةٍ لموصوف، لم تعلم كيفيّته، وإنَّما تعلم الذّات والصّفات مِنْ حيثُ الجُملة على الوجه الذي ينبغي لك، بل هذه المخلوقات في الجنَّة قد ثبت عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنَّه قال: (ليس في الدنيا ممَّا في الجنة إلَّا الأسماء)(١) وقد أخبر الله - تعالى - أنَّه: ﴿لا تعلمُ نفسُ ما أُخفيَ لهم مِنْ قُرَّةٍ أَعْيُن﴾(٢) (٣). فإذا كان نعيم الجنة وهو خلْق مِن خلق الله كذلك، فما الظنُّ بالخالق - سبحانه - .

[١٨/أ]

وهذه الرُّوحِ قد علم العاقل اضطراب النَّاس فيها، وإمساك النصوص عن بيان كيفيتها، أفلا يعتبر العاقل بها عن الكلام في كيفية الله - تعالى - ؟

(١) أورده القرطبي في ((تفسيره)) ٢٤٠/١ في قوله تعالى: ((وأُتوا به متشابها)).

(٢) سورة السجدة/ ١٧ .

(٣) وفي الصحيح: ((إنَّ في الجَنَّةِ ما لا عينٌ رأَتْ ولا أذن سمعت ولا خَطَرَ على قلبِ بَشَر)).

109