Al-Baṣāʾir al-Naṣīriyya fī ʿilm al-Manṭiq
البصائر النصيريه في علم المنطق
ولا يخفى ان القسمة كانت من الاعمال الفكرية السابقة اما بيانا بنفسها وكسبا للمعلوم واما جزأ من بيان ومقدمة من كسب فان امتياز الطوائف فى المحمولات علم وانما كاسبه القسمة وحدها. والعلم بأن الحقيقة من مقول الجوهر أو العرض وانها بسيطة أو مركبة انما كسب بالقسمة واختيار أحد الاقسام، فهى تارة قياس لانا لا نعنى من القياس الا المركب من عدة أحكام مقصودة ألف بينها عمل فكرى لتحصيل معلوم لم يكن، وذلك ثابت فى التقسيم لتمييز المحمولات بعضها عن بعض. وتارة جزء قياس وهو ظاهر ولم يمنعه المصنف وهذا النحو من العمل الذهنى لكسب الحد هو الذي عناه بعض القوم فى قوله: «ان الحد يكتسب بالبرهان» وانما يكتسب بالقسمة من أنواع البرهان.
أما ما سيأتي للمصنف فى باب أفرده لبيان ان الحد لا يكتسب بالبرهان فهو تقليد لجمهور من سبقه لم ينظر فيه الا الى صور وأشكال يغر ظاهرها ولا قيمة لحقيقتها وزعمه كغيره أن لا طريق لاكتساب الحد الا التركيب نسيان لأهم الاعمال فى الكسب ونظر الى آخر ما ينتهى إليه العمل. فان مجرد التركيب وتقديم بعض الاجزاء على بعض انما يتيسر لمن علم الاوصاف وميز خاصها من عامها وعرف نسبتها للماهية بكونها مقوما أو عارضا ولم يبق عليه الا الضم وجودة الوضع لا غير وهذا طرف من كسب الحد لا كله، فان أراد المصنف أو غيره أن يصطلح على انه لا يسمى كاسبا للحد الا هذا الضم والترتيب الذي سماه بالتركيب لم ننازعه فى الاصطلاح، لكن ينقلب النزاع الى نزاع فى استعمال الالفاظ لا فى بيان الحقائق.
أما ظن ان القسمة قياس على كل شيء فلا يبعد عن الحقيقة اذا كانت وجهته ما قدمناه من أن الاحكام التى تثبت لشيء واحد بواسطة أقسامه لا سبيل الى اثباتها له الا تقسيمه إليها لتستقر له أحكامها، وكثيرا ما يكفى مجرد التقسيم فى ظهور ثبوت الحكم ويبقى التقسيم ملحوظا لا ينصرف الذهن عنه بعد ظهور المطلوب، وعند ذلك يكون التقسيم وحده هو الطريق وقد يحذف كما يحذف الحد الوسط فى كل قياس فيكون جزأ من الدليل، وتسميته قياسا لانه الواسطة الحقيقية الى المطلوب وهذا الثانى هو ما يسمى
Page 350