شمساً تستنيرُ بها الأقطار ما دام الليلُ والنهار، يرفعون لِعِلْم الفرائض أيّ عماد، ويقتفون أثر نبيِّهم المصطفى في الفروع والاعتقاد.
غير أنَّه لم يكادوا يجدون منظومةً في علم الفرائض على ذلك المذهب يتداولونها حفظاً وعملاً، ويسلكون بمنارها طرقاً وسبلاً، ورأيتُ تعطُّشهم لذلك الموردِ العذبِ الثَّمير، ولسان حالهم الموصول لتلك البغية يُشير، وكأنَّ ما أنا فيه من كثرة شغل البال، شاغلاً عن النظم في ذلك المجال.
وبينما أنا مفكرٌ إذا وقعتْ عيني على منظومة العلامة الفارضي الحنبلي في ضمن أوراق أبقتها يدُ الحدثان؛ من بقية خزانة كتب جدِّي والدِ والدتي العالمِ العاملِ الشيخ أحمد بن مصطفى بن حسين رمضان، الشهير بابن النعسان، المتوفى سنة إحدى وثمانين ومائتين وألف من الهجرة النبوية، عليه الرحمة والرضوان.
فتأمَّلتُها؛ فإذا هي الضالةُ المنشودة، والفريدةُ المفقودة، وناداني لسان حالها: ((أنْ اجعَلْ عليها شرحاً يذلَّل صعابها، ويفتح لمريد الدخول إليها أبوابها))، فلَّيتُ النِّداء وشرحتُها شرحاً ليس بالطويل الممل، ولا بالقصير المخل، طاوياً الكشحَ عن التعرُّض والخلاف، مبيّناً ما بالقصيدة من صناعة الوزن والزحاف، متيمناً وممتثلاً لما ورد من أنَّ النبي ﷺ قال لأبي هريرة رضي الله عنه: (يا أبا هريرة، تعلَّموا الفرائض وعلِّموها؛ فإنه نصفُ العلم، وهو أول علم يُنزَع من أمتي). رواه الدارقطني، وأخرجه ابن ماجه من طريق حفص بن عمر ابن أبي العطاف، وأخرجه الحاكم في المستدرك، وقال: إنه صحيح الإسناد(١). قال في الزوائد: وفيما قاله نظر، فإنّ حفص بن عمر المذكور ضعَّفه ابن معين،
(١) سنن ابن ماجه (٩٠٨/٢، ح٢٧١٩) سنن الدارقطني (١١٧/٥، ح ٤٠٥٩) مستدرك الحاكم (٩٦٩/٤، ح ٧٩٤٨).