والثانية: لا يرث أهل ملة أهل ملة أخرى، وهذه الرواية اختارها المتأخِّرون من أصحاب أحمد. قال في الإقناع: ويرث الكفار بعضهم بعضاً إن اتحدت ملَُّهم، وهم مللٌ شتَّى فلا يرثون مع اختلافها (١). وإنما كانت هذه الرواية هي المختارة لما روي عن جابر مرفوعاً: (لا يتوارثُ أهل ملتين شتى). رواه أبو داود والإمام أحمد وابن ماجه(٢). ورواه الترمذي عن جابر مرفوعاً بلفظ: (لا يتوارث أهل ملتين)(٣).
واختلفوا في ترتيب الملل، فالمشهور بين الأصحاب: أنَّ اليهودية ملَّة، والنَّصرانية ملَّة، والمجوسية ملَّة، وعبدة الأوثان ملَّة، وعبدة الشمس ملَّة، وهكذا، فلا يرث بعضهم بعضاً. وقال القاضي أبو يعلى: اليهودية ملَّة، والنصرانية ملَّة، ومَن عداهما ملة. قلتُ: وهو اختيارنا؛ لأنَّ اليهود والنَّصارى أهل كتابٍ، وغيرهم ليس له كتابٌ، وحيث إنَّ الله تعالى فرَّق في الخطاب بين أهل الكتاب وغيرهم فلنفرِّق بينهم في المعاملة.
ثم قال الناظم: (ولا إرث للمرتدِّ بعد الترشُّد) أي: أنَّ من ارتدَّ عن دين الإسلام بعد أن هداه الله إليه لا إرث له ولا يورَث، وإذا حُكم عليه بالقتل كان ماله فيئاً، أي: غنيمة تصرف في مصالح المسلمين، وكذا إذا مات على ردته، وإلى هذا أشار بقوله:
١١١. فإن قُتِلَ المرتدُّ في الفيءِ مالُهُ وإن غَرَقٌ أو هَدْمُ قصرٍ مشیَّدِ
١١٢. بمحتومٍ موتٍ عمَّ أهلَ توارثٍ ولم يُدْرَ مَن ذو السّبْقِ عند التَّفقّدِ
١١٣. فبعضٌ لبعضٍ من أولئكِ وارثٌ ومنْ لم يرِثْ لم يَحجُبِ افْقَهْ تُمَجَّدٍ
(١) الإقناع (١١٥/٣) وشرحه الكشاف (٤٨٦/١٠) وينظر أيضا: شرح المنتهى (٤ /٦٣٨).
(٢) مسند أحمد (٢٤٥/١١، ح٦٦٦٤) سنن أبي داود (١٢٥/٣، ح٢٩١١) سنن ابن ماجه (٩١٢/٢، ح ٢٧٣١).
(٣) سنن الترمذي (٤٩٦/٣، ح٢١٠٨).