الحديث والآية؛ وذلك أنَّ قوله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (١) قد دلَّ على أن حكم الأنثيين حكم الذكر، وذلك أنَّ الذكر كما يحوز الثلثين مع الواحدة فالأنثيان كذلك تحوزان الثلثين، فلما ذكر ما دلَّ على حكم الأنثيين قيل: ﴿فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ (٢) على معنى: فإن كن جماعة بالغات ما [بلغن] (٣) من العدد فلهن ما للأنثيين وهو الثلثان، لا يتجاوزنه لكثرتهن؛ ليُعلم أن حكمَ الجماعة حكمُ الثنتين بغير تفاوت، وهذا ما أشار إليه الزمخشري في كشَّافه تبعاً لأبي مسلم الأصفهاني (٤).
ويؤيِّد هذا الصنيع الحديث المتقدم، ووجهُ حُسنِهِ: أنه لما علم أنَّ الاثنتين تستوجبان الثلثين بالطريق المتقدم كان الوهم قد يسبق إلى أن الزائد على الأنثيين يستوجب أكثر من فرض الأنثيين؛ لأن ذلك مقتضى القياس، فيرفع هذا الوهم بإيجاب الثلثين لما فوق الأنثيين كوجوبه لهما. ومما يؤيد هذا أيضاً أن الله تعالى قال: ﴿وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ (٥) فجعل حصول النصف مشروطاً لكونها واحدة، وذلك ينفي حصول النصف نصيباً للبنتين على ما ذهب إليه ابن عباس رضى الله عنه - إن صح النقل عنه - وهو قد جعل النصف نصيباً للبنتين، فهذا المسلك يبطل ما ذهب إليه، والصحيح أنه موافقٌ للصحابة في هذه المسألة كما قاله ابن عبد البر وغيره (٦).
(١) سورة النساء (١١).
(٢) سورة النساء (١١).
(٣) في (أ) و(ب) [بلغنا] والمثبت من نسخة الكشاف، وهو الصواب.
(٤) الكشاف (٤٨١/١).
(٥) سورة النساء (١١).
(٦) الاستذكار (١٣١/٥). وذكر الشنشوري: أن هذا النقل منكرٌ عن ابن عباس. الفوائد الشنشورية (٨٠). وقال في العذب الفائض: قال الشريف الأرموي [قاضي العسكر]: صحَّ عن ابن عباس رجوعُهُ عن ذلك. (٥٢/١).