266

كانت الامة تتلقاها بالرضا والتسليم ، كما تلقت من قبلها آيات القرآن الحكيم ، ويأخذها الخلف عن السلف بألفاظها ومعانيها ولا يخالف أحد من المسلمين وغير المسلمين فيها ، ثم تسير الامة على نورها وتهتدى بهديها ، من غير تمذهب ولا تفرق كما هو الاصل في الدين الذى يقول كتابه " واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا - إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شئ " ، ولكن الناس هم الناس في كل عصر ، والبشر لهم طباع لا تتغير ، وغرائز لا تتبدل ، وأهواء لا تتحول ، وما كان الصحابة رضوان الله عليهم ومن جاء بعدهم من التابعين بدعا من الناس ولا هم بالمعصومين (1) ، سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تدبيلا . وبحسبك أن تعرف أنه ما كاد الرسول صلوات الله عليه ينتقل إلى الرفيق الاعلى ، حتى ذر قرن الخلاف بين أصحابه حتى قبل دفن جثمانه الطاهر ثم ارتد كثير ممن صحب النبي ، ولولا حزم أبى بكر وصرامة عمر ومن عاونهما من خيار الصحابة وصالحيهم لاندك صرح الاسلام وهو في المهد . ومن أجل ذلك كان كبار الصحابة كأبى بكر وعمر وعلى لا يصدقون من يروى لهم من الصحابة - حتى من كبارهم - حديثا إلا إذا جاء بشهيد يشهد معه أنه قد سمعه من النبي ، أو يحلف أنه تلقاه عنه ، ولو كانوا كلهم مبرئين من الخطأ والكذب كما قالوا عنهم لقبلت رواية كل من يروى منهم في عهد هؤلاء الخلفاء الكبار ، والدين في عنفوانه والاعلام ظاهرة - بغير شاهد أو يمين ، وبخاصة أنهم كانوا هم الناس الذين تلقوا الدين مشافهة عن نبيهم - ولا يزال نور النبوة يشرق في قلوبهم . إن الذى يريد أن يدرس تاريخ الاسلام على حقه إنما يجب عليه أن يحيط علما بما كان عليه العرب قبل الاسلام عامة وبخاصة بين بنى هاشم وبين بنى أمية في الجاهلية (2) ثم في الاسلام . وبما شجر بين الصحابة منذ عهد عثمان والحروب التى وقعت بين على رضى الله عنه وبين معاوية ، وجنودهما أكثرهم من الصحابة ، وما كان

---

(1) راجع فصل عدالة الصحابة من هذا الكتاب (2) ارجع إلى كتاب النزاع والتخاصم فيما بين نبى أمية وبنى هاشم للمقريزى . وإلى كتابنا " شيخ المضيرة " لكى تعرف قامت دولة بنى أمية . (*)

--- [ 270 ]

Page 269