265

الكلام على كتب الحديث ونبين منزلته من الصحة وقيمته بينها . والمسند - أن يجعل جميع ما يروى عن كل صحابي - أي ما يسند إليه - في باب على حدة مهما كان موضوع الحديث ، وأيا كانت درجته من الصحة إذ لم يكن قد ظهر تمييز الصحيح من غير الصحيح في التأليف . ولقد كانت هذه المسانيد تحمل الاحاديث الصحيحة والموضوعة كما قلنا ، وجرى العمل على هذا النهج حتى ظهر البخاري وطبقته فانتقل التدوين إلى : " الطور الرابع " وهو طور " التنقيح والاختيار " كما ذكرنا آنفا ، فوضعوا كتبا مختصرة في الحديث اختاروا فيها ما رأوا أنه من الصحيح على طريقتهم في البحث ، كما فعل البخاري ومسلم ومن تبعهما ، وسنتكلم عن هذه الكتب كلها عند الكلام على كتب الحديث ، وهذا الطور من التصنيف هو الاخير ، إذ أصبحت هذه الكتب هي المعتمدة عند أهل السنة ، أما الشيعة فلهم كتب في الحديث يعتمدون عليها ولا يثقون إلا بها ، ولكل قوم سنة وإمامها . وبهذا يخلص لك أن التدوين المعتمد لدى الجمهور لم يقع إلا حوالى منتصف القرن الثالث إلى القرن الرابع . . أثر تأخير التدوين : لما تركت أحاديث الرسول صلوات الله عليه بغير تدوين في عهده ولم ينهض الصحابة من بعده لكتابتها كما كتبوا القرآن ، اتسعت أبواب الرواية عن رسول الله لكل ذى هوى زائغ ، أو دخلة سيئة ، من غير خوف من ضمير ولا وازع من دين فرووا ما شاءوا أن يرووا (1) . ولو أن المسلمين الاولين أو من دخلوا في الاسلام - من بعد - كانوا طبقة واحدة في الصدق ، ودرجة متساوية في العدل وكمال السيرة ، أو لو أن الرواية قد وقفت على من أطلقوا عليهم اسم الصحبة الصحيحة ، وربطت الكتابة ما روى في عهد الخلفاء الراشدين ، لكان عسى أن يكون النقل مقصورا على ما قاله النبي صلوات الله عليه بغير زيادة ولا نقص ، ولجاءت الاحاديث كلها صحيحة لا شك فيها - ومن ثم

---

(1) راجع فصل وضع الحديث وأسبابه فيما سبق ص 118 . (*)

--- [ 269 ]

Page 268