258

ثم شاع التدوين في الطبقة التى تلى طبقة الزهري ، وكان ذلك بتشجيع العباسيين . وقد اعتبر ابن شهاب الزهري أول من دون الحديث ، ولعل سبب ذلك أخذ بنى أمية عنه - وجاء في تذكرة الحفاظ : أن خالد بن معدان الحمصى لقى 70 صحابيا . وكان يكتب الحديث وله مصنفات ، ولكن لم يأت لهذه المصنفات ذكر في كتب الحديث ، ومات ابن معدان سنة 104 ه . وقال الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري ، بعد أن بين أن آثار النبي لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مدونة في الجوامع ولا مرتبة لانهم نهوا عن ذلك كما ثبت في صحيح مسلم : " ثم حدث في أواخر التابعين تدوين الآثار وتبويب الاخبار ، لما انتشر العلماء في الامصار وكثر الابتداع من الخوارج والروافض . . . إلخ . وروى البخاري والترمذي عن أبى هريرة أنه قال : ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثا منى إلا ما كان من عبد الله بن عمرو ، فإنه كان يكتب ولا أكتب (1) ، والمحدثون لا يعدون ما يوجد في صحيفة محدث أو عالم رواية صحيحة عنه إلا إن حدث أنه سمعها من صحابها ويسمونها " الوجادة " . وقال العلامة الشيخ مصطفى عبد الرازق : " مما أكد الحاجة لتدوين السنن شيوع رواية الحديث وقلة الثقة ببعض الرواة وظهور الكذب في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لاسباب سياسية أو مذهبية - أما أول تدوين للسنن بالمعنى الحقيقي فيقع ما بين سنة 120 ه وسنة 150 ه (2) . لم يدونوا الحديث إلا مكرهين : لما أمروا بتدوين الحديث لم يستجيبوا للامر إلا مكرهين ، ذلك بأنهم كانوا يتحرجون من كتابته بعد أن مضت سنة من كان قبلهم من الصحابة على عدم

---

(1) ذكر البغدادي أن ما دونه عبد الله بن عمرو في صحيفته التى يسميها " الصادقة " وكان يحرص عليها حرصه على نفسه إنما كانت أدعية وصلوات كان يرجع إليها . يرجع إلى كتاب " شيخ المضيرة " لمعرفة ما في هذه الصحيفة . (2) ص 195 و198 من كتاب " تمهيد لتاريخ الفلسفة الاسلامية " . (*)

--- [ 262 ]

Page 261