256

النبي قد نهى عن كتابتها ، وكانت صدورهم ، هي التى تحملها ، ومن أجل ذلك كانوا ينشرونها بالرواية ، إما بنفس الالفاظ التى سمعوها من النبي - إن بقيت في أذهانهم وهذا نادر جدا - وإن وقع ذلك ففى بعض الاحاديث القصيرة ، أو - بما يؤدى معناها إذا غابت عنهم ، وهذا كان غالب أمرهم ، ولم يروا حرجا من ذلك " لان المقصود من الحديث عندهم - كما قالوا - هو المعنى ولا يتعلق في الغالب حكم بالمبنى " بخلاف القرآن فإن لالفاظه مدخلا في الاعجاز ، فلا يجوز إبدال لفظ بلفظ آخر ، ولو كان مرادفا له خشية النسيان مع طول الزمان ، فوجب أن يقيد بالكتابة ولا يكتفى بالحفظ - وإعجازه قائم ولا جرم على تأليف ألفاظه . قال الامام الخطابى في كتابه إعجاز القرآن : إنما يقوم الكلام بهذه الاشياء الثلاثة : لفظ حاصل ، ومعنى قائم ، ورباط لهما ناظم . وقال الشيخ أبو بكر بن عقال الصقلى في فوائده على ما رواه ابن بشكوال : إنما لم يجمع الصحابة سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مصحف كما جمعوا القرآن ، لان السنن انتشرت وخفى محفوظها من مدخولها ، فوكل أهلها في نقلها إلى حفظهم ولم يوكلوا من القرآن إلى مثل ذلك ، وألفاظ السنن غير محروسة من الزيادة والنقصان كما حرس الله كتابه ببديع النظم الذى أعجز الخلق عن الاتيان بمثله ، فكانوا في الذى جمعوه من القرآن مجتمعين ، وفي حروف السنن ونقل نظم الكلام نصا مختلفين ، فلم يصح تدوين ما اختلفوا فيه (1) . وقد ظل الامر في رواية الحديث على ما ذكرنا ، تفعل فيه الذاكرة ما تفعل ، لا يكتب ولا يدون طوال عهد الصحابة وصدرا كبيرا من عهد التابعين إلى أن حدث التدوين - على ما قالوا - في آخر عهد التابعين (2) قال الهروي (3) : لم يكن الصحابة ولا التابعون يكتبون الاحاديث إنما كانوا يؤدونها لفظا ويأخذونها

---

(1) ص 48 و49 من شرح شروط الائمة الخمسة للحازمي . (2) آخر عصر التابعين هو حدود الخمسين ومائة . والحد الفاصل بين المتقدم والمتأخر هو رأس سنة 300 ه . (3) ص 7 ج 1 إرشاد السارى شرح القسطلانى وص 10 ج 1 شرح الزروقانى على الموطأ . (*)

--- [ 260 ]

Page 259