255

تدوين الحديث (1) كيف نشأ تدوين الحديث : عندما شرعوا في تدوين الحديث دونوه على الهيئة التى وصل بها إليهم ، فجمع كل منهم ما جمع مما رواه الرواة بالاسانيد التى رووه بها ، وبعد ذلك بحثوا عن أحوال هؤلاء الرواة لكى يعرفوا من تقبل روايته ومن ترد . وعلى أنهم قد بذلوا في هذه السبيل ما بذلوا ، لكنهم لم يصلوا إلى الغرض المرجو منه ولا بلغوا مستقر اليقين الذى تسكن إليه النفس ويطمئن به القلب من أن ما دونوه هو نفس ما نطق النبي به بحيث لا يدنو منه شك ، أو يعروه شبهة . وأنى لهم أن ينفذوا إلى دخائل النفوس وبواطنها حتى يطلعوا على حقيقتها ؟ ومن أجل ذلك جاءت كتبهم (كلها) وليس فيها مما جاء عن رسول الله - حديث يعتبر متواترا ، بل نجدها قد جمعت بين ما هو صحيح في نظر الرواة وما هو موضوع لا أصل له ، ولا يخلو من ذلك كتاب حتى التى سموها الصحاح وهى البخاري ومسلم لانها لم تسلم من سهام النقد التى وجهها إلى كتب الحديث أئمة الحديث وعلماء الاصول وعلم الكلام . وسيتبين لك كل ذلك فيما سيقابلك في مواضيعه من هذا الكتاب . وقد رأيت فيما تقدم من الفصل السابق أن الصحابة في عهد أبى بكر قد جمعوا القرآن في موضع واحد ، مما كان قد كتب في حياة الرسول صلوات الله عليه ، وما حفظ في الصدور ، وأنهم قد عنوا بذلك عناية فائقة ، أما أحاديث الرسول فإنهم لم يكتبوها ولم يجمعوها لانها لم تكتب في عهد النبي كما كتب القرآن ، إذ كان

---

(1) التدوين هو تقييد المتفرق المثبت وجمعه في ديوان أي في كتاب تجمع فيه الصحف فيضم الشمل ويحفظ من الضياع ، وهو أوسع من التقييد بمعناه المحدود . في تاج العروس دونه تدوينا جمعه ، وقال نقلا عن الفيروز ابادى : الديوان مجمع الصحف . والتصنيف أدق من التدوين فهو ترتيب ما دون في فصول محدودة ، وأبواب متميزة . قال في تاج العروس - وصنفه تصنيفا جعله أصنافا وميز بعضها عن بعض ، وقال الزمشخرى ومنه تصنيف الكتاب . (*)

--- [ 259 ]

Page 258