252

المتكلمون في ذلك ، فقال بعضهم : إن هذا الخبر وإن كان مخرجا في الصحيحين ، غير صحيح ، لاقتضائه أن الآيات الثلاث المذكورة قد ثبتت بغير طريق التواتر ، وهو خلاف ما يقتضيه الدليل المذكور ، وقال بعضهم : ليس في الخبر المذكور ما يقتضي ثبوت الآيات المذكورة بغير طريق التواتر ، لاحتمال أن يكون زيد قد أراد بقوله : لم أجدها مع غير فلان : لم أجدها مكتوبة عند غيره ، وهو لا يقتضى أنه لم يجدها محفوظة عند غيره . . وقال بعضهم : إن الدليل المذكور إنما يتقضى كون القرآن قد نقل على وجه يفيد العلم - وإفادة العلم قد تكون بغير طريق التواتر ، فإن في أخبار الآحاد ما يفيد العلم ، وهى الاخبار التى احتفت بها قرائن توجب ذلك - وعلى هذا فنحن لا نستبعد أن يكون في القرآن ما نقل على هذا الوجه ، وذلك كالآيات الثلاث المذكورة ، إذ المطلوب حصول العلم على أي وجه كان ، وقد حصل بهذا الوجه . وهذا القول في غاية القوة والمتانة ، ولا يرد عليه شئ مما يرد على من أفرط في هذا الامر أو فرط عليه . المشكل الثالث : روى البخاري عن قتادة أنه قال : سألت أنس بن مالك ، من جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : أربعة كلهم من الانصار ، أبى بن كعب ، ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت ، وأبو زيد ، قلت : من أبو زيد ؟ قال : أحد عمومتي ، وروى من طريق ثابت عن أنس أنه قال : مات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجمع القرآن غير أربعة ، أبو الدرداء ، ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت ، وأبو زيد . وفيه مخالفة لحديث قتادة من وجهين : التصريح بصيغة الحصر في الاربعة ، والآخر ذكر أبا الدرداء بدل أبى بن كعب ، وقد استنكر جماعة من الائمة الحصر في الاربعة . وقال المازرى : لا يلزم من قول أنس لم يجمعه غيرهم ، أن يكون الواقع في نفس الامر كذلك ، لان التقدير أنه لا يعلم أن سواهم جمعه ، وإلا فكيف الاحاطة بذلك مع كثرة الصحابة وتفرقهم في البلاد ، وهذا لايتم إلا إن كان لقى كل واحد منهم على انفراده ، وأخبره عن نفسه أنه لم يكمل له جمع

--- [ 256 ]

Page 255