217

لما نقصت كتب الاحكام شيئا كثيرا ، وأن ما عسى أن تنقصه يمكن أن يعرف حكمه من قواعد الشريعة الثابتة وأصولها القطعية ، كقاعدة رفع الحرج والعسر ، وإثبات اليسر وترجيحه ، وقاعدة كون الاصل براءة الذمة ، وكون الاصل في كل الخبائث والمضرات الحرمة ، وفى كل الطيبات الحل ، وكون الضرورات تبيح المحظورات وغير ذلك (1) . وقال وهو يبين أن بطلى الاسرائيليات وينبوعي الخرافات هما كعب الاحبار ووهب بن منبه : " وما يدرينا أن كل الروايات - أو الموقوفة منها - ترجع إليهما ، فإن الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا يذكرون ما يسمع بعضهم من بعض ومن التابعين على سبيل الرواية والنقل ، بل يذكرونه بالمناسبات من غير عزو غالبا ، وكثير من التابعين كذلك ، بل أكثر ما روى عن أبى هريرة من الاحاديث المرفوعة لم يسمعه منه صلى الله عليه وسلم ، ولذلك روى أكثره عنه بالعنعنة أو بقوله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأقله بلفظ سمعت رسول الله يقول كذا (2) ، وقد روى عن بعض الصحابة وعن بعض التابعين وثبت أنه روى عن كعب الاحبار . ومن هنا نجزم بأن موقوفات الصحابة التى لا مجال فيها للاجتهاد والرأى لا يكون لها قوة المرفوع - كما قال المحدثون إلا إذا كانت ليست من قبيل الاسرائيليات (3) . هذه ترجمة مختصرة لابي هريرة التزمنا فيها الناحية التقريرية ولم نسلك الطريقة التحليلة والموضوعية ، التي لا تكمل التراجم الصحيحة إلا بها ، ولا تتم دراسة الرجال والاحداث إلا باتباعها ، ذلك بأننا لم نصل بعد إلى احتمال سطوتها ، وبخاصة إذا كان الامر يتصل بأحد الصحابة الذين قالوا فيهم " إنهم كلهم عدول " فلا يجوز لاحد

---

(1) ص 101 من المصدر نفسه ، ويلاحظ أن السيد قال هذا الكلام في رد له على دعاة النصرانية الذين انتقدوا أبا هريرة ، ولذلك نجد فيه روح الدفاع عن أبى هريرة ظاهرة . (2) ولقد علمت قيمة صحة روايته فيما قال " إنه سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم من قبل في حديث خلق الله التربة يوم السبت ! (3) 476 ج 9 من تفسير المنار . (*)

--- [ 221 ]

Page 220